ترجمة: خالد البدور

عُرف المعلم الروحاني والنفسي أنطوني دي ميللو، والذي ولد في الهند عام 1931، على نطاق واسع بسبب الخلوات الروحية، وورش العمل في التنمية الذاتية، التي أقامها لأكثر من ثمانية عشر عاماً حول العالم. وعلى الرغم من أنه توفي فجأة عام 1987، فقد ترك إرثاً غنياً من التعاليم الروحية من خلال كلماته المكتوبة والمسجلة، كتب عدة كتب عن التطوير الذاتي والروحي وكان معروفًا بسرده للقصص المستمدة من التقاليد الصوفية المختلفة لكل من الشرق والغرب. 
في المقالة التالية المتجزئة بتصرف من كتابه الشهير «اليقظة» يقدم لنا أهم أفكاره المتعلقة بالتنوير والعيش في مستويات عليا من الوعي والحكمة.

توقف عن اللعب بألعابك
الروحانية تعني الاستيقاظ.. معظم الناس، دون أن يدركوا ذلك، نيام.. إنهم يولدون نياماً، ويعيشون نياماً، ويتزوجون في نومهم، وينجبون أطفالًا في نومهم، ويموتون في نومهم دون أن يستيقظوا أبدًا.. إنهم لا يفهمون أبدًا سحر وجمال هذا الذي نسميه الوجود الإنساني.
معظم الناس يقولون لك أنهم يريدون الخروج من رياض الأطفال، لكن لا تصدقهم.. لا تصدقهم! كل ما يريدون منك فعله هو إصلاح ألعابهم المكسورة. «أعد إليّ زوجتي.. أعد إليّ وظيفتي.. أعد إليّ نقودي.. أعد إليّ سُمعتي، ونجاحي».. هذا ما يريدونه، إنهم يريدون استبدال لُعبهم.. هذا كل شيء، حتى أفضل عالم نفسي سيخبرك بذلك، أن الناس لا يريدون العلاج، ما يريدون هو الإغاثة، لأن العلاج مؤلم.
الاستيقاظ أمر مزعج، كما تعلمون. أنت في وضع مريح في السرير، إنه أمر مزعج أن تستيقظ، لهذا السبب لن يحاول المعلم الحكيم إيقاظ الناس.. آمل أن أكون حكيماً هنا، وأبذل قصارى جهدي ألا أحاول إيقاظك إن كنت نائماً.. إنه في الواقع ليس من عملي، على الرغم من أنني أقول لك في بعض الأحيان، «استيقظ!»، عملي هو أن أقوم بعملي، وأن أرقص رقصتي.. إن حصلتَ على فائدة منه، فهذا أمر جيد، وإلا فإن هذا أمر مؤسف! كما يقول العرب، «طبيعة المطر هي نفسها، لكنها تجعل الأشواك تنمو في المستنقعات، والزهور في الحدائق».
هل تعتقد أنك تساعد الناس لأنك تحبهم؟ حسنٌ، لدي أخبار لك.. أنت لست أبداً في حالة حب مع أي شخص.. أنت فقط تحب حكمك المسبق وأفكارك المغلفة بالأمل عن هذا الشخص.. توقف لدقيقة للتفكير بذلك: أنت لا تحب أبداً أي شخص، أنت تحب فكرتك أنت عن هذا الشخص.. أليس هذا هو سبب تركك لذلك الحب؟ لقد تغيرت فكرتك، أليس كذلك؟ 
هذا هو الأمر إذن: الناس لا يريدون حقاً أن يكبروا، لا يريدون التغيير الحقيقي، لا يريدون أن يكونوا سعداء حقاً، وكما قال لي أحدهم بحكمة: «لا تحاول أن تجعلهم سعداء، أنت لن تواجه إلا المشاكل.. لا تحاول تعليم الخنزير الغناء، في هذا مضيعة لوقتك، وإزعاج للخنزير». 

عن النوع المناسب من الأنانية
أول شيء أريدك أن تفهمه، إن كنت تريد الاستيقاظ حقاً، هو أنك لا تريد الاستيقاظ.. الخطوة الأولى للاستيقاظ هي أن تكون صادقاً بما يكفي لتعترف لنفسك أنك لا تحب ذلك.. أنت لا تريد أن تكون سعيداً.. أتريد اختباراً صغيراً؟ لنحاول ذلك، سوف يأخذ الأمر دقيقة واحدة بالضبط. يمكنك أن تغمض عينيك أثناء قيامك بذلك أو يمكنك إبقائها مفتوحة، لا يهم حقاً.. فكر في شخص تحبه كثيراً، شخص قريبٍ منك، أو شخص غالٍ لديك، وقُل لهذا الشخص في ذهنك: «أنا أُفَضِّلُ الحصول على السعادة بدلاً من الحصول عليك».. انظر إلى ما يحدث، «أُفَضِّلُ أن أكون سعيداً أكثر من الحصول عليك.. إذا كان لدي خيار، لا شك في ذلك، سأختار السعادة». كم منكم شعر بأنه أناني عندما قال هذا؟ كثيرون، كما يبدو.. انظر كيف تم غسل أدمغتنا؟ انظر كيف تم غسل أدمغتنا بفكرة: «كيف يمكن أن أكون أنانياً؟» ولكن أنظر إلى من يكون الأناني حقاً هنا.. تخيل شخصًا يقول لك: «كيف يمكن أن تكون أنانياً بحيث تختار السعادة بدلاً مني؟» ألا تشعر بالرغبة في أن ترد بالقول: «عفواً، لكن كيف يمكنك أن تكون أنانياً إلى درجة أن تطالب بأن أختارك بدلاً من سعادتي الخاصة؟!»

عن الرغبة في السعادة
كنت أقول إننا لا نريد أن نكون سعداء، نحن نريد أشياء أخرى، أو دعونا نكون أكثر دقة: لا نريد أن نكون سعداء دون قيد أو شرط.. إنني مستعد لأن أكون سعيداً شريطة أن يكون لدي هذا وذاك وغيره.. ولكن، في الحقيقة، نحن نقول لصديقنا، أو لأي شخص: «أنت سعادتي.. وإن لم أحصل عليك، أرفض أن أكون سعيداً»، من المهم للغاية فهم هذا.. لا يمكننا أن نتخيل أن نكون سعداء من دون تلك الشروط، هذا دقيق للغاية، لا يمكننا تصور أن نكون سعداء من دونهم.. لقد تم تعليمنا أن نربط سعادتنا ونضعها فيهم.
أتحدى أي شخص أن يفكر في أي شيء أكثر عملية من الروحانية كما حددتها، وليس التقوى، ولا الإخلاص، ولا الدين، ولا العبادة، لكن الروحانية، الاستيقاظ، الاستيقاظ!، انظر إلى أوجاع القلوب في كل مكان، وانظر إلى مشاعر الوحدة، وانظر إلى الخوف، والحيرة، والصراع في قلوب الناس، والصراعات الداخلية، والصراعات الخارجية.. لنفترض أن شخصاً ما قد أعطاك طريقة للتخلص من كل ذلك؟ لنفترض أن شخصاً ما قد أعطاك وسيلة لوقف هذا الهدر الهائل للطاقة، والصحة، والمشاعر المتولدة من هذه الحيرة والصراعات. هل تريد ذلك؟ لنفترض أن شخصاً أوضح لنا طريقة نحب بها بعضنا بعضًا بشكل حقيقي، وأن نكون في سلام، وأن نكون في حالة حب.. أيمكنك التفكير في أي شيء أكثر عملية من ذلك؟ إلا أنه بدلاً من ذلك، لدينا أشخاص يفكرون في أن الأعمال التجارية الكبرى أكثر عملية، وأن السياسة أكثر عملية، وأن العلم أكثر عملية، ما هي الفائدة الدنيوية لوضع رجل على القمر عندما لا نستطيع العيش على الأرض؟.

علم النفس والروحانية!
هل علم النفس أكثر عملية من العلوم الروحانية؟ ليس هناك ما هو أكثر عملية من الروحانية.. ما الذي يمكن أن يفعله عالم النفس المسكين؟ يستطيع فقط تخفيف الضغط، أنا طبيب نفسي، وأمارس العلاج النفسي، ولدي هذا الصراع الكبير بداخلي عندما يتعين عليّ الاختيار بين علم النفس والروحانية أحيانًا، سأشرح لكم: لم يكن الأمر منطقيًا بالنسبة لي لسنوات عديدة إلى أن اكتشفت فجأة أنه يجب على الناس أن يعانوا بشكل كافٍ في علاقة ما حتى يشعروا بخيبة أمل من كل العلاقات.. أليس هذا شيئا فظيعاً؟ عليهم أن يعانوا بما فيه الكفاية في علاقة ما قبل أن يستيقظوا ويقولوا: «لقد سئمت من ذلك! لا شك أن هناك وسيلة أخرى للعيش بشكل أفضل من الاعتماد على شخص آخر»، وماذا الذي كنتُ أفعله كطبيب نفسي؟ كان الناس يأتون إلى مع مشاكل في علاقاتهم، وفي التواصل مع الآخرين، وما إلى ذلك، وفي بعض الأحيان ما كنت أقوم به هو تقديم المساعدة، لكن في بعض الأحيان، يؤسفني القول، لم يكن الأمر كذلك، لأنني كنتُ أُبْقِى الناس نائمين.. ربما كان يجب أن يعانوا أكثر.. أنت لن تتخلص من مرضك إلا حين تمرض من المرض ذاته.. معظم الناس يذهبون إلى طبيب نفسي أو محلل نفسي للحصول على الراحة.. أكرر: للحصول على الراحة، وليس التخلص من المرض.
المحللون النفسيون مساكين، إنهم يقومون بعمل جيد، هم بالفعل كذلك، هناك أوقات يقدم فيها العلاج النفسي مساعدة مذهلة.. لأننا مجانين.. العالم كله مجنون.. مجانين مصدَّق عليهم! السبب الوحيد لعدم احتجازنا في مستشفى هو وجود الكثير منا، لهذا السبب نحن مجانين.. نحن نعيش من خلال أفكار مجنونة حول الحب والعلاقات والسعادة والفرح وكل شيء. لقد توصلت إلى هذا التصور، نحن أصبحنا مجانين إلى درجة أنه لو وافق الجميع على شيء ما، تأكد من أنه خطأ! كل فكرة جديدة، كل فكرة رائعة، عندما بدأت لأول مرة، كانت عند أقلية، في شخص واحد، كان الجميع يقول شيئًا مختلفًا عما كان يقوله «بوذا»، هو أقلية في واحد، كان الجميع يقولون شيئًا مختلفًا عما كان يقوله، أعتقد أن برتراند راسل هو الذي قال: «كل فكرة رائعة تبدأ كفكرة كافرة».. هذا جيد وصحيح. 

أَصْغِ وانسَ ما تعلمته
يستيقظ البعض منا بسبب الحقائق القاسية في الحياة، قد نمر بمعاناة كبيرة لدرجة أننا نستيقظ، لكن الناس يواصلون التصادم مراراً وتكراراً مع ظروف الحياة، مع ذلك يستمرون في السير وهم نيام.. إنهم لا يستيقظون أبداً، ومما يؤسف له أنه لا يخطر على بالهم أبداً أن هناك وسائل أفضل. 
صدقوني، لا يهم حقًا ما إذا كنتم توافقون على ما أقوله أم لا، لأن الموافقة والاختلاف يرتبطان بالكلمات والمفاهيم والنظريات، لا علاقة لها بالحقيقة.. الحقيقة لا يُعبر عنها أبداً بالكلمات.. يتم رؤية الحقيقة فجأة، كنتيجة لموقف معين، لذلك يمكن أن تكون مختلفاً معي، وما زلت ترى الحقيقة، ولكن يجب أن يكون هناك حالة من الانفتاح، والرغبة في اكتشاف شيء جديد.
هذا أمر مهم، ليس الأمر موافقتك على ما أقول أو عدم الموافقة، في النهاية، فإن معظم ما أعطيه لك هو في الحقيقة نظريات، لا توجد نظرية تغطي كل الواقع بشكل كاف، لذا أستطيع التحدث إليكم، ليس عن الحقيقة، ولكن عن العقبات أمام الحقيقة، هذا ما يمكن أن أشرحه، أنا لا أستطيع شرح الحقيقة، لا أحد يمكنه ذلك، كل ما يمكنني فعله هو إعطائك وصفًا لأكاذيبك، بحيث يمكنك التخلص منها، كل ما يمكنني فعله لك هو تحدي معتقداتك، والنظام العقائدي الذي يجعلك غير سعيد.. هل تصغي، كما يفعل معظم الناس، أي لتأكيد رأيك المسبق؟ راقب ردود أفعالك بينما أنا أتحدث، غالبًا ما تكون مندهشًا أو مصدومًا أو شاعراً بالعار أو منزعجًا أو محبطًا، أو ستقول: «هذا عظيم!»

خطوة نحو اليقظة
عندما تقوم بذلك فأنت تُصغي.. لقد قمت بخطوة رئيسة أخرى نحو اليقظة.. الخطوة الأولى، كما قلت، كانت الاستعداد للاعتراف بأنك لا تريد أن تستيقظ، وأنك لا تريد أن تكون سعيدًا.. توجد كل أنواع المقاومة لذلك في داخلك.. والخطوة الثانية هي الاستعداد للفهم، والاستماع، وتحدي معتقداتك بأكملها.. ليس فقط معتقداتك الدينية، ومعتقداتك السياسية، ومعتقداتك الاجتماعية، ومعتقداتك النفسية، ولكن جميعها.. الاستعداد لإعادة تقييمها كما في الإشارة السابقة عن «بوذا».