إميل أمين

حين استقبلت الإمارات العربية المتحدة البابا فرنسيس وشيخ الأزهر في فبراير من عام 2019، ليوقعا وثيقة «الأخوة الإنسانية»، وتالياً حين أصدر البابا فرنسيس، رسالته البابوية المعروفة باسم «كلنا أخوة»، كان الجميع يدرك أن الأصل في هذه الحركة الحوارية بين الإسلام والمسيحية، إنما ينطلق من الجذور التاريخية للوثيقة الأهم في تاريخ المائة عام السابقة الصادرة عن المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 - 1965)، والذي انعقد في روما، والمعروفة باسم «في حاضرات أيامنا»، أو NOSTRA AETATE، تلك التي كانت بمثابة فتح جديد ولأول مرة بين الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وإن شئت الدقة قل بين المسيحية الغربية والإسلام الشرقي.
لعل علامة الاستفهام التي لابد منها «من كان العقل المحرك وراء هذا النص، والذي فتح درباً للحوار والجوار والأخوة الإنسانية والإيمانية، بعد نحو ثمانمائة عام من الحروب الصليبية كما أسماها الغرب، أو حروب الفرنجة كما أطلق عليها العرب؟
الجواب يقودنا إلى الأب العلامة المصري الأصل، الشامي الجذور «جورج شحاته قنواتي»، الراهب المنتمي إلى الرهبنة الدومنيكية، والتي ترهب فيها بعدما ترك حياته السابقة كأستاذ ومعلم للصيدلة التي حاز فيها أعلى الدرجات العلمية.
حصل الأب قنواتي على أكثر من دكتوراه في الفلسفة وعلوم اللاهوت، وكلفته جامعة الدول العربية بجمع تراث ابن رشد، وفي الحقيقة أن اسم الرجل أشهر من نار على علم في المجامع العلمية الدولية، وإن لم يكن معروفاً بشكل جيد في عالمنا العربي.
يعد الأب قنواتي (6 يونيو 1905 - 28 يناير 1994)، إنساناً فوق العادي، وذلك لثلاثة أسباب على الأقل: 
- كونه مسيحياً شرقياً قضى الجزء الأساسي من حياته في دراسة الإسلام، وجعله مفهوماً بشكل أعمق في العالم المسيحي، وهذا يعد أمراً نادراً، حين ندرك المخاوف والأفكار الموروثة لدى المسيحيين الشرقيين.
- قدم مساهمة كبيرة فيما يتعلق بظهور المجادلة حول الإسلام والديانات غير المسيحية خلال المجمع الفاتيكاني الثاني، مساعداً بذلك الكنيسة الكاثوليكية على تكوين رؤية إيجابية حول الموضوع.
- أخيراً، لقد فهم الأب قنواتي مبكراً، «بل يعد من الأوائل»، أن اللقاء مع عالم الإسلام سيكون أكثر يسراً لو وضعنا أنفسنا على المستوى الثقافي وليس الديني البحت، ولعل كونه متخصصاً في الفلسفة العربية الخاصة بالعصور الوسطى، جعله مدركاً لما تقاسمه الشرق والغرب في الماضي، وعليه فبدلاً من أن يسعى إلى تغيير ديانة بعض المسلمين، مجازفاً بذلك بأن يقطعهم عن ثقافتهم، اختار أن يتواصل بعمق مع العالم الإسلامي، من خلال ثقافته وحضارته كما يشير الأب جان جاك بيرينيز الدومنيكاني.

  • جورج قنواتي ساهم في حوار إسلامي مسيحي مثمر (أرشيفية)
    جورج قنواتي ساهم في حوار إسلامي مسيحي مثمر (أرشيفية)

«في حاضرات أيامنا»
ماذا عن قصة قنواتي ووثيقة «في حاضرات أيامنا»؟
الشاهد أنه بسبب تدهور مناخ الحريات والثقافة في مصر أوائل الستينيات، فكر قنواتي في ترك مصر الى لبنان، غير أن عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والدكتور إبراهيم مدكور، نجحا في تعديل رأيه، فقد توجه قنواتي إلى روما عام 1963، حين كان المجمع المسكوني الفاتيكاني قائماً، ووصل هناك في يوليو من ذلك العام بين الجلسة الأولى والثانية، في اللحظة التي كانت تتم فيها مناقشة النص اليهودي الذي كان يتمسك به البابا بولس السادس، ونائبه الكاردينال بيا الألماني الأصل بشدة.
لم يكن أحد قد تطرق لعلاقة المسيحية بالإسلام، وهنا ظهر قنواتي في لوبي حقيقي، والذي يعد من أهم لحظاته هو المحاضرة الكبيرة التي ألقاها يوم 29 نوفمبر عام 1963 في الأنجيليكوم، الجامعة الدومنيكية في روما، وكان موضوعها «الإسلام وقت المجمع الفاتيكاني الثاني: بداية حوار إسلامي مسيحي».
في تلك المحاضرة كان هناك كرادلة وأساقفة ولاهوتيين حاضرين وقادرين على التاثير في النقاش في جلسات المجمع الفاتيكاني الثاني.
وفي الوقت عينه، وربما من حسن الطالع، فإن الجالس على كرسي ماربطرس في ذلك الوقت، البابا بولس السادس، لم يكن بمعزل عن الموضوع محل المحاضرة، ذلك أنه حين كان رئيساً لأساقفة ميلانو صرح ذات مرة بالقول «سيأتي وقت يتوجه فيه البابا بالحديث إلى المسلمين مثلما توجه بالحديث إلى الأرثوذكس».
كان بولس السادس هو نفسه من أنشا يوم 19 مايو عام 1964 السكرتارية لغير المسيحيين، وفي قلبها لجنة للمسلمين، وقد كان الأب جوزيف كيوك من الآباء البيض أحد أمناء أسرارها وهو حليف لجورج قنواتي.
«نحن لا نعرف الإسلام»، يعترف الكاردينال ماريلا الذي كان في ذلك الوقت رئيساً للسكرتارية، فيرد قنواتي غاضباً «نحن ندرس الإسلام منذ ثلاثين سنة».
وفي نهاية المطاف، تنجح جهود قنواتي في إصدار وثيقة ستساعد في قادم الأيام على تطوير رؤية العالم المسيحي للإسلام.
منذ نهاية المجمع الفاتيكاني عام 1965 وحتى وفاته عام 1994، سيعيش قنواتي 30 عاماً مليئة بالنشاط، بما فيها حين يثقل عليه المرض والسن، فهو يتساءل منذ صباه عن أفضل طريقة للتواصل مع العالم المسلم، فهو عالم، وأخذ في الاعتبار جدليات الماضي التي كتبت حولها مقالات علمية، ولكنه كان قادراً أيضاً على توضيح كيفية عمل المسيحيين والمسلمين سوياً في الماضي من أجل الثقافة العامة.
تاثر قنواتي في فترة شبابه بكتاب ماريتان الذي يحمل عنوان «الدين والثقافة»، المنشور عام 1930، ومبكراً جداً كان لدى قنواتي الفراسة الأصلية لمعرفة كيفية جعل الثقافة ميدان التقاء مع العالم الإسلامي.

رحلة محبة
كتب قنواتي كثير عن أجمل فترة في تاريخ الحضارة العربية بين القرنين التاسع والعاشر الميلادي في بغداد، في زمن «حنين ابن إسحاق»، المسيحي السرياني الذي كلفه الخليفة العباسي المأمون بإدارة بيت الحكمة، حيث كان يسعى النساخ والمترجمون في تعميق معارفهم في مجالات عديدة مثل الفلسفة والفنون والعلوم. الحديث عن قنواتي له مؤلفات قائمة بذاتها، ويكفي قول أحد تلاميذه له في جامعة كاليفورنيا ذات مرة «حين يصل الأب قنواتي إلى الحرم الجامعي، نعلم أن الربيع قد حل». قنواتي رحلة محبة وأخوة إنسانية في طريق اللقاء بالآخر.