حسام نور الدين 

هو فنان السينما الفرنسي الذي حلم بسينما خالصة من منظوره، فكان له ما أراد، وهو من رفض تقليد الحياة، فكانت أفلامه هي الحياة، مستعيناً في ذكاء إبداعي، بشريطي الصوت والصورة معاً، فمنح الصورة عمقاً، وكثافة معنى، كما قال في ندوة مهرجان/‏ كان، وقت عرض آخر أفلامه (المال - 1983)

«الصورة تحاول أن تكتسب الواقعية بلجوئها لعالم الصوت، والصوت يحاول أن يحد من واقعيته المفرطة بلجوئه للصورة؛ لذا يجب أن نعمل على هاتين الآلتين الرائعتين، مثلما يعمل الجراح بأداتين مختلفتين تماماً، فيجري عمليته بهما معاً، دون أن يعرف الفضل لأيهما بالتحديد»، وهو المخرج الذي كان بطل أهم أفلامه (بالصدفة بالتازار - 1966) ليس طفلاً، أو طفلة، أوعجوزاً، بل.. حمار، حمار تشعر بكينونته، وخفي مشاعره!! 
- «إن الحمار الذي أتوا به ليكون بطلاً للفيلم كان مشكلة كبيرة، لأني أردت منذ مرحلة كتابة الفيلم أن يكون غير مدرب، فيكون حقيقياً، وليس مفتعلاً»
وقد عاش مخرجنا (روبير بريسون) نحو مائة عام (1901 - 1999) وقدم 13 فيلماً فقط، لصعوبة إيجاد التمويل الكافي، لمشروعات أفلامه الفنية، فهو يرفض تماماً، بعد أول أفلامه، إسناد أدوار أبطاله لممثلين محترفين، ويأبَىَ أن تكون نصوصه السينمائية ذات حبكة وتشويق تقليدي، يسلب ويزيف وعي ومشاعر المتفرجين.
- «كل الأفلام التي تعرض في السينما هي مجرد فُرْجَة (spectacle)، والفيلم لا يجب أن يكون للتسلية، ولا أحب أن يكون فيلمي ذلك.
أنا أؤمن تماماً أن السينما تمنحك نظرة متعمقة نحو الأشياء، وهي نوع من مساعدة البشر، ولإيجاد وسيلة - في ظني - للكشف عن أنفسنا بجلاء».
ولم يتردد المبدع الروسي العظيم/‏‏ تاركوفسكي في أن يختار - من وجهة نظره - فيلم بريسون (يوميات قس ريفي - 1951) على رأس قائمة أجمل عشرة أفلام في تاريخ السينما، ووضع أيضاً فيلم (موشيت - 1967) ضمن القائمة، وكان شديد الإعجاب بزهد بريسون في التعامل مع اللغة السينمائية، قائلاً: «دائماً ما يدهشني بريسون، ويجذبني زهده، فهو من وجهة نظري المخرج الوحيد في العالم الذي حقق البساطة المطلقة في السينما، كما حققها باخ في الموسيقى، وليوناردو في الرسم، وتولستوي في الكتابة»، ولا ننسى كذلك جملة الناقد الأميركي الأشهر روجر إيبرت، التي كتبها في سياق إعجابه البالغ: «بريسون كسر لَدَي قواعد السينما».

أهم أفكاره الجدلية
قدم بريسون نظريته عبر ملاحظاته عن السينما توجراف في كتاب (Notes sur le cinématographe -1975) وقد كتب عنه الكثير بعدة لغات، لكننا نرصد هنا - بالقدر المتاح- أهم أقواله في حواراته التليفزيونية والندوات المصورة التي قد لا يعرفها الكثير من متابعيه، خاصة في المنطقة العربية، في حين هو الذي نوه بأهمية أقواله، منبهاً:

- «لقد وضعت كتاباً صغيراً، منذ أربع أو خمس سنوات، لم أكتب فيه كل ما قلته....» 
وأغلب أقواله، أو أفكاره، عبرت عنها أفلامه، أكثرها كان مثار جدل، لا سيما رؤيته لفن الممثل، حيث ذكر باقتناع:
- «الممثل المحترف وفق تعاليم الأداء المسرحي لا يمكن أن يكون طبيعياً.. فمن المستحيل تغيير طبيعة هذا الممثل. الموهبة الكبيرة هي من نطلق عليها الجاذبية، والناس في الحياة الذين يملكون الجاذبية la charme، هم من لا ينتبهون أنهم يملكونها، والجاذبية الحقيقية هي ما أبحث عنها، وهي ما يحتاج إليه فن السينما، أما الممثلون عندي فيرتجلون، لكن بطريقتي التي أجعل فيها ذهن الممثل غير مشغول تماماً بما يحدث، بما يعني أننا قد نقوم بإعادة سطور الحوار 50 مرة إن كانت هناك ضرورة لذلك، حتى لا يتدخل العقل بعدها في الحوار أو الإيماءات، بمجرد أن تصير الأمور في الحالة الآلية، ومن هنا تُلقَىَ الشخصية في قلب الحدث بالفيلم، ويحدث أشياء بالتالي لا تتوقعها أبداً، مما يجعلها أكثر صدقاً مائة مرة من التمثيل المسرحي التي يحفظ فيها الممثل النص، وهو يفكر في كل سطر، والتعبير، فمن المستحيل أن يكون حقيقياً» فيبدو لنا أن بريسون لولعه وإخلاصه لفن السينما، يقع في فخ التعميم، فهو ينطلق من افتراض خاطئ، وهو أن المسرح يُضاد فن الفيلم، أو (السينما توجراف) كما يسميها نقلاً عن رفيق دربه/‏‏ جان كوكتو، في حين لا يجد أي غضاضة في تعانق عرائس الإلهام بالفن التشكيلي - في أحد أقواله الأخرى- مع مثيلتها في فن السينما، وإن كنا نشهد أنه نجح في تقديم أبطال أفلامه من الهواة ببراعة وبساطة مدهشة، بطريقته التي شرحها بتفصيل، لكن الاعتراض هنا عندما يقوم بنقل تجربته، في شكل ملاحظات، أو نصائح قاطعة جامعة في كتابه وأقواله، لكل من يريد أن يصنع سينما حقيقية، ثم إن ما يقوله بريسون عن وشائج العلاقة بين فن الرسم والسينما، قول مطاطي، فبأي اعتبار موضوعي أباح لفن الرسم، ما حرمه على المبدع- لا سيما في مجال السينما الروائية - من الاستفادة من موروثات فن المسرح!
ويقيناً نحن لا نقصد كل ما يأتي به التمثيل المسرحي من (مبالغات ممقوتة، عيون جاحظة، وأصوات عالية لمجرد الاستعراض، وأيدي مرتعشة دون داع)، وغير ذلك من سخافات استنكرها ستانسلافسكي في كتابه إعداد الممثل، كما نرفض النقل الممسوخ من تقنيات الإخراج المسرحي، لطريقة ومنهج الإخراج السينمائي، كترتيب أوضاع الممثلين وحركتهم داخل الكادر mise- en- scene، وجَعْل الكاميرا تحل دائماً محل المتفرج على خشبة المسرح، كأنها حائط حاجز، فتخلق بُعداً وهمياً عفا عليه الزمن.
بلا ريب نحن نوافق بريسون في هذه الجزئية، لكن نستغرب رفضه المتعسف، لأي ممثل في أفلامه، مهما كان موهوباً، إن تدرب، أو بدأ مشواره على خشبة المسرح، فمن لا يصدق أداء: مارلون براندو، أو ماستروياني، هوفمان، ميشيل سيمون، ليف أولما، جين فوندا، مونتجمري كليفت، نيكلسون، وقبلهم.. تشارلي تشابلن!!