ثناء عطوي (باريس)

مثل خزانة التاريخ، انفتحت واحة العلا، إحدى أغنى الواحات في الجزيرة العربية، على جمهورٍ أوروبي وعربي واسع، في معرضٍ ضخم، خصّص له معهد العالم العربي في باريس، مساحاتٍ شاسعة، ليأخذ الزائر عبره في رحلة تاريخية متكاملة بالصوت والصورة، إلى 7 آلاف عام من التاريخ، الحافل بالأبجديات واللّغات الرموز، والمواقع الأثرية، والأراضي الخصبة، والواحات الوافرة بخيراتها وكنوزها وثمارها. أما صور المعرض المذهلة، فهي من توقيع المصوّر الفرنسي المعروف يان أرتوث بيرتراند، الذي تولّى مهمّة تصوير المنطقة بتفاصيلها، وأقام لهذه الغاية في العلا لمدّة طويلة، مقدّماً رؤيته الفنّية للواحة الجذّابة. واللافت أيضاً العرض البصري الحيّ بالألوان الذي يعيدنا إلى 600 ألف عام، ويُبرز التحوّلات التي شهدتها منطقة العلا منذ أن كانت بحراً واسعاً ممتدّاً على معظم الجزيرة. يأتي معرض «العلا واحة العجائب في الجزيرة العربية»، ثمرة التعاون الثقافي والأركيولوجي السعودي - الفرنسي المستمرّ منذ 3 عقود، وهو يضمّ 250 قطعة أثرية تخرج من المملكة للمرّة الأولى، مثل التماثيل النصفية، وأحجار المعابد، والنقود المعدنية، وأدوات الريّ القديمة، وأدوات الزينة النسائية، وقطع البناء، وصور القبور الركامية والمذيّلة (ذات الذيول). يخال الزائر للمعرض أنّه يطأ أرض العلا على حقيقتها، أو كأنّ تلك الواحة الخلّابة انتقلت من مكانها الأصلي في المملكة إلى قلب باريس، وذلك بسبب ضخامة المعرض ومقتنياته، والروائح التي يتنشّقها الزائر من عطور التين والرمان والتمر، وهي ابتُكرت خصيصاً للمعرض كي تستحضر البيئة المعطّرة للواحة. 7 آلاف عام من الحياة والازدهار، يرويها أهل العلا بشيبها وشبابها، عبرَ شاشات العرض التي يتحدّثون من خلالها إلى الزائرين، إذ يقدّم المعماريون رؤيتهم للطرق التي بنى بها السكان بلدتهم القديمة المؤلّفة من 900 منزل، فيما يروي المهندسون والمزارعون قصّة الطنطورة، ساعتهم الشمسية التقليدية، وكيفية ريّ خيرات الأراضي بالطرق البدائية، ويُشرك سكان العلا الزائرين تجربة العيش بسلامٍ وأمان في واحة من الجنّة، وعلاقتهم مع الطبيعة وتحدّياتها، والجهد الذي يبذلونه للحفاظ عليها، ولتعريف الأجيال الشابّة بتاريخ العلا الغارق في القِدم. 

  • جانب من القطع الأثرية النادرة (الصور من المصدر)
    جانب من القطع الأثرية النادرة (الصور من المصدر)

العلا هو اسم منطقة في شمال غربي الجزيرة العربية، تضمّ واحةً جذّابة يبلغ امتدادها أكثر من 30 كيلومتراً، تقع بين جبال من الحجر الرملي، مغطّاة بتدفّقات الحِمم البركانية. وعلى مدى 7 آلاف عام، كانت العلا مصدراً لا ينضب للموارد الطبيعية، وموطناً للمواقع الأثرية الرئيسة التي بنتها حضارات متعاقبة وعريقة. وتشير الأدلّة إلى الاستيطان البشري في المنطقة خلال العصر الحجري القديم الأسفل، الذي انتهى منذ نحو 300 عام. 
على الرغم من جفاف المناخ وقلّة مياه الأمطار، فقد أحسن السكان الذين يعيشون على أرض العلا استخدام المياه السطحية والجوفية، وأنشأوا نظاماً لريّ مزروعاتهم، وتغذية بساتين الحمضيات، ونخيل التمر، والأشجار المثمرة، ومحاصيل الحقول، والحفاظ على حياة قطعان الماشية. في الأوّل قبل الميلاد، كان الماء لأغراض الزراعة والريّ أولوية لدى السكّان، بعدها طوّروا تقنيات بارعة لاستخراج المياه وتخزينها، وخصوصاً القنوات والآبار والخزّانات. انتقلت هذه التقنيات من جيلٍ إلى جيل، ثم استُبدلت بأنظمة مزوّدة بمحرّكات، في النصف الثاني من القرن العشرين.
أحمد إمام مرشد سياحي من الهيئة الملكية لمحافظة العلا، ومن المهتمّين بتراث هذا المكان الذي سكنته عائلته لقرون عدّة، يشرح عن تاريخ البلدة القديمة التي بنيت من 900 منزل بتقنياتٍ آمنة جداً، وتميّزت بيوتها بقربها من بعضها بعضاً إلى حدّ الالتصاق، ما جعل أزقّتها وطرقها ضيقة جداً، وذلك لدواعي الأمن والحماية والتعاضد الاجتماعي، إذ كان يشكّل ذلك إحساساً بالأمان من جهة، ويُصعّب أعمال العدوان والغزو على البلدة من جهةٍ ثانية.
بنيت بيوت العلا من أحجار الجبال التي جرى تكسيرها ونقلها إلى البلدة، وغطّيت أسقف البيوت بـ4 طبقات، تتألّف الطبقة الأولى من أشجار النخيل التي تُقطع في فصل الشتاء وتجفّف بشكل كامل، تُضاف إليها أعواد شجر النخيل، ثم أوراقه، وتُغطّى في المرحلة الرابعة والأخيرة بالطين. وقد كان لدى أهل العلا مزارع تسمّى النخل، وهي من الأشجار الحساسة التي تحتاج إلى تدخل الإنسان في حياتها بشكل مستمر.

ساعة العلا الشمسية
ولأنّ الماء هو أساس كل شيء، ولولا توفّره في العلا، لما بنى الناس حياة على هذه الواحة. وقد جاءت الطنطورة أو الساعة الشمسية التي استخدمها السكان لهدفين: توزيع مياه العيون بشكلٍ عادل بين الأراضي الزراعية، وتوزيع الظلال لتنظيم هذه العملية، إذ كانت توضع أحجار بمسافاتٍ معينة يباعد بينها شبر واحد، وعندما ينتقل الظل من حجر إلى آخر، تنتقل مياه العيون من بستان إلى بستان، ومن مزارع إلى آخر. 
ويوضح القيّمون على المعرض أنّ الطنطورة ليست مكاناً أو بلدة، إنّها أثر قديم من الطين، جلبها شخص يدعى حسن طعيمة من بلاد الشام قبل 700 سنة، بعد أن رآها هناك، وأدرك حاجة أهل العلا لهذه التقنية، فبناها بنفس الهندسة وشكل البناء الحرمي، لتصبح في خدمة العلا ومزارعيها.
عندما ننظر إلى العلا من السماء نجدها صغيرة في موقعها الجبلي، لكن الأدلّة الأثرية المنتشرة فيها تشهد على عصور ما قبل التاريخ الطويل للوادي، الذي اجتذب العديد من الرحّالة والتجّار والسيّاح والحجّاج.
وقد أدّى استئناس الجمل في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، إلى تطوير تجارة القافلة، وأصبحت العلا منطقة عبورٍ استراتيجية لقوافل الجمال التي تجتاز شبه الجزيرة العربية، من الشمال إلى الجنوب والعكس. 
كانت الجمال تنقل المنتجات العطرية ومعظمها من البخور والمرّ، من مناطق الجنوب في شبه الجزيرة العربية، إلى مصر وبلاد الشام وموانئ البحر الأبيض المتوسّط. كانت مدينتا دادان والحجر محطّتين أساسيتين بالنسبة للتجّار، ومع ظهور الإسلام عام 622 أصبحت طرق تجارة القوافل طرقاً للحجّ وللمسلمين القادمين من مصر وغيرها، والراغبين في زيارة مكّة المكرّمة والمدينة المنورة.
كان طريقا الحج المصري والشامي يمرّان بالعلا حتى بداية القرن العشرين، وكانت تتمّ صيانتهما من قِبل السلطات المسلمة، التي أمرت بحفر الآبار وتشييد البرك لتزويد الحجاج بإمدادات المياه. 
تقع قرح في الجزء الجنوبي من العلا، فوق أسس مدينة تجارية تعود إلى ما قبل الإسلام، شُيّدت فيها العمائر الضخمة في القرن التاسع، وفي القرن العاشر أصبحت واحدة من أكبر المدن الإسلامية في الجزيرة العربية. بعد 3 قرون هُجرت قرحْ لصالح مدينة تُعرف اليوم ببلدة العلا القديمة، وقد بقيت مأهولة حتى ثمانينيات القرن الماضي. 

تاريخ عريق وثري
من القرن الثامن قبل الميلاد وحتى ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، كانت العلا موطناً لثلاثة كيانات سياسية رئيسة: مملكة دادان، من القرن الثامن إلى الخامس قبل الميلاد. مملكة لحيان، من القرن الخامس إلى الأول قبل الميلاد. مملكة الأنباط، من القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الثاني الميلادي. طوّرت هذه الممالك مراكز سياسية واقتصادية على مفترق طرق القوافل، كانت تعبر الجزيرة العربية من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. تقدّم المعابد والحصون والأسوار وغيرها من الآثار الشاهدة، دليلاً على التقاليد الدينية والجنائزية والدفاعية خلال تلك الحقبات. ولأنّ الكتابة فعل بقاء واستمرار، سجّل الناس أنشطتهم اليومية وطقوسهم، من خلال النقوش على الصخور المدوّنة بحروف أبجديّات مختلفة، استخدمت في شبه الجزيرة العربية القديمة. 
مع بدء فصل الربيع، سينتقل المعرض إلى عواصم عربية وعالَمية عدّة، بعد باريس، من بينها مدينة سان بطرسبرغ الروسية، لإلقاء الضوء على تاريخ منارة الجزيرة العربية.