ها نحن على أبواب السنة الجديدة، نتطلع إلى المستقبل، ونحاول استشراف ما هو قادم. يلفنا غموض اللحظة التاريخية، بسبب عدم الأمان الذين نعيشه. مع ذلك نحاول جاهدين شحذ أذهاننا من أجل توصيف ما هو آت، وقراءة التداعيات القادمة. لقد أصبح المستقبل مثل سيف ديموقليس المسلط فوق رؤوسنا، حيث لا مجال للتنازل، ولا مجال أيضاً للاستمرار في العيش بهذه الطريقة الباذخة، التي نستمرئ فيها استهلاكنا لخيرات الأرض بشكل جنوني. ثمة ما ينبغي القيام به عاجلاً على مستوى الانتقال الطاقي: من الطاقات الأحفوية إلى الطاقات البديلة. أمور أخرى تنتظرنا في المدى القريب مثل الانتقال المرتبط بالهوية البشرية: من الإنسان الطبيعي إلى الإنسان المعزز والمرقى. ومن الذكاء الطبيعي إلى الذكاء الاصطناعي. مروراً بضرورة معالجة الوضع السكاني للأرض، أي الانتقال من الانفجار الديموغرافي إلى التخطيط السكاني. ووصولاً إلى الانتقال الكوكبي: من الأرض نحو تعمير الكواكب الأخرى.
ولكن بالنسبة لنا نحن هل لا يزال بإمكاننا التفكير في المستقبل بموضوعية ؟ إذ رغم كل هذا الاضطراب الذي نعيشه، ما زلنا نفكر في المستقبل باعتباره يقع تحت سيطرتنا، وليس ما ينفلت من تفكيرنا. ننظر إلى الجائحة كما لو أنها أمر ثانوي، حالة استثنائية علينا أن نخرج منها سريعاً، كي نعود إلى ما ألفناه وما نبرع فيه. إنه الغرق في المتعة والاستهلاك الباذخ، الافتراس الوحشي للطبيعة. 

التفاؤل الراديكالي
هذا هو ما يمكن أن ننعت به اليوم الفكر الذي نجده عند راي كورتزفايل، بيتر ديامانديس، ومارفن مينسكي... المدافعون عن اتجاه ما بعد الإنسانية، والذين يطالبون بضرورة تسريع وثيرة التطور التكنولوجي، والاستفادة مما تتيحه الثورة الصناعية الرابعة، عبر التكنولوجيا الحيوية والتعديل الجيني للإنسان، وعبر تطبيقات المعلوماتية، التي تعمل على حوسبة كل شيء بما فيه الذكاء الاصطناعي، الذي في نظرهم سيتجاوز في القريب العاجل الذكاء البشري. المستقبل في نظر هؤلاء لن يكون رهينا بالصدفة والحظ، بل ينبغي الذهاب أبعد مما هو متاح. هذا هو ما يدل عليه مفهوم: «تطور التطور» الذي يتحدث عنه الفيلسوف الأميركي المعاصر دانييل دانيت، والذي يعني أنه يمكننا أن نختصر الوقت بفضل التطور البيولوجي في تجربة مختبرية قد لا تتعدى بضع ساعات. 
في نظر هؤلاء، سيكون الجنس البشري أفضل حالاً في المستقبل، شريطة أن يذعن لكل ما تعد به تكنولوجيا النانو والمعلوميات والتعديل الجيني وغيرها، من الابتكارات التكنولوجية الفائقة. 
مثل هذا التفاؤل الراديكالي، يضع العلم كقاطرة وحيدة للحضارة. فرغم أن التكنولوجيا ساهمت بشكل كبير في تحسين الوضع البشري، إلا أننا يجب أن لا ننسى كذلك، أن الكثير من الاختلالات والكوارث التي نعيشها حالياً، وعلى رأسها الكارثة الايكولوجية التي تنذر بانهيار شامل، كان السبب وراءها هذا الإيمان الأعمى بقدرة التقنية على حل كافة المشاكل.

الديستوبيا القادمة
تمنحنا التكنولوجيا اليوم إغراءات غير مسبوقة في تاريخ البشرية، للتأثير ليس فقط على بنية المادة، وتصنيع مواد جديدة لم تكن موجودة في الطبيعة، بل أيضاً التأثير على بنية الحياة ذاتها، وخلق كائنات معدلة جينية، لم تسر من قبل فوق الكرة الأرضية. كل هذا أصبح ممكناً من الناحية التكنولوجية، ولكن هل هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً ؟ سبق لهيدغر أن قال كلمته في هذا المجال:«العلم لا يفكر»، ذلك لأنه لا ينشغل بمسألة الوجود والمصير العام للإنسان، فكل ما يهم العلم هو ما يحدث داخل المختبر وليس خارجه. هكذا تحقق حضارتنا ذلك الأمل الذي تحدث عنه فرنسيس بيكون خلال القرن السادس عشر، ففي كتابه «أطلنتيس الجديدة» يتحدث عن علماء يتصورون الكون كما لو أنه آلة، يبحثون فقط عن الأسباب المتحكمة في كل حركة، بغرض تحقيق الطموح المجيد للإنسان، في فرض هيمنته على كل شيء. نحن الآن نعيش المآلات الحزينة لهذا التصور الميكانيكي للطبيعة. 
الكرة الأرضية برمتها أصبحت مكباً للنفايات، آلاف الأطنان من المواد الكيميائية الملوثة والمسرطنة، لا نعرف بعد كيف يمكن إبعادها عن الطبيعة. ثم هناك القنبلة البشرية حيث يعرف منحنى التزايد السكاني ارتفاعات مهولة. من المنتظر أن نبلغ في منتصف هذا القرن، ما بين تسعة إلى عشرة مليارات نسمة. هل ستستطيع الكرة الأرضية أن تستوعب كل هذا الكم الهائل من البشر، أن تطعمهم وتوفر لهم احتياجاتهم من المواد الأولية ؟

خلاصة
مع ذلك ورغم كل ما يمكن أن يقال في هذا الموضع، فإن المطالبة بانتقاد العلم ومراجعة حماسته المفرطة، عليها أن لا تسقطنا فريسة للنزوعات غير العلمية. منذ بداية الألفية الثالثة، سادت بقوة الرؤية المنذرة بنهاية العالم، ولكن ضد هذا المنظور المروع للزمان، ألا يمكن أن نبني تصوراً يجعل من المستقبل، مجالاً لقيام ممكنات إيجابية في الفعل البشري ؟ 
نعم، لا يزال ينتظرنا عمل كبير، من أجل الدفع بالبشرية نحو الفضيلة. توسيع دائرة الحرية كي يستفيد منها أكبر عدد من الناس. اجتثاث البؤس والحرمان كيفما كان نوعه. إعادة توطين زخم المعنى في الحياة، ليس عبر سعار التبضع أو الأقراص الخاصة، بل عبر الامتلاء الروحي، التضامن والتعايش والسلام الداخلي سواء للفرد أو للمجتمع. أن نؤنسن العولمة، ونعيد النظر في وضع الثورة الصناعية، بما يتلاءم والغايات الإنسانية. دون هذا العمل الحثيث الذي يؤمن بقيمة المعرفة والعلم، وبقيمة الاستثمار في الإنسان كأعظم ثروة فوق الأرض، فإننا نغامر بأن نكون نحن من نمثل حالة الاغتراب في المستقبل. نغامر بأن نعيش عالة على الحضارة.