قبل دخول رئيس أميركي جديد إلى البيت الأبيض، تبدو الولايات المتحدة الأميركية، في حالة غير مسبوقة من الانقسام والتشظي بين الأميركيين بعضهم بعضاً، ويرتفع في سماوات أميركا تساؤل جوهري مثير:«هل ما يحدث هناك خلاف سياسي، حول نتيجة الانتخابات الأخيرة، أم أن المشهد برمته أكبر من ذلك، والأزمة مردها ثقافي وفكري، وبما يهدد مستقبل الاتحاد الأميركي عينه خلال عقد أو عقدين من الزمن على أقصى تقدير؟ يحتاج الجواب إلى تفكيك المشهد الأميركي، لا سيما وأن هناك متغيرات عميقة تجري بها المقادير، وفي مقدمها، بل ربما أهمها، التغير الديموغرافي، أي التركيبة السكانية للولايات المتحدة الأميركية، والتي معها تساءل البعض: «هل يمكن أن يكون بايدن هو آخر رئيس من الأميركيين الواسب»، أي الأميركيين البروتستانت الأنجلو ساكسون؟
كان من متناقضات القدر أن المهاجرين من أصول لاتينية، أي من أميركا الجنوبية، هؤلاء الذين سارع ترامب منذ بداية ولايته في إقامة سور بينهم وبين بلاده، كانوا مرجعاً رئيساً في انتخاب بادين وإسقاط ترامب.
تخبرنا الأرقام أنه منذ 2010 إلى 2020 انقلبت موازين عدة ولايات من الناحية السكانية، لغير صالح الرجل الأبيض. على سبيل المثال ولاية نيفادا، فقد ارتفع فيها عدد السكان الأميركيين من أصول لاتينية من 27% إلى 33%، وبالقدر نفسه ارتفعت النسبة في ولاية أريزونا من 30% إلى 36%، ما يعني أن تلك التجمعات السكانية اللاتينية، والتي كانت حتى وقت قريب أقليات عرقية، أصبحت في بعض الولايات، أو أنها في طريقها إلى أن تصبح أغلبية في السنوات المقبلة.
حين دخل الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، فوجئ العالم بموقف معارض ومشاكس لمساعيه وأفكاره من قبل السيناتور الجمهوري النافذ، «ليندسي غراهام»، ولاحقاً تحول إلى داعم لكل سياسات ترامب، وتساءل الناس: ما السبب؟
في حقيقة الأمر، لم يكن التغير ناجماً عن محبة مفاجئة عشوائية حلت في قلب «غراهام»، تجاه ترامب، وإنما مرد الأمر هو إدراك الأول أن سياسات الثاني هي الحل الوحيد لقطع الطريق على خسارة الرجل الأبيض لأغلبيته، وقد قالها صراحة: «لو خسر ترامب هذه الانتخابات، فإننا لن نتمكن من إيصال رئيس جمهوري آخر إلى البيت الأبيض». والشاهد أنه إن مضت أميركا في هذا التحول الديموغرافي، فإن فكرة رئيسة قامت عليها البلاد ستكون في مهب الريح، ذلك أنه لن تصبح الولايات المتحدة الأميركية فيما بعد، بوتقة انصهار لجميع الأعراق، ولكافة الملل والنحل من حول العالم، ولن تعود فلسفة حساء الطماطم الشهيرة هي الفكرة المرجحة، بل لوحة الفسيفساء، وفيها يحتفظ كل مكون بذاته، ولا يندمج بشكل مطلق مع الآخر.
الرؤية المتقدمة تضعنا في صلب الأزمة الأميركية الفكرية، ومنها يمكن للمرء أن يتفهم عمق النزاع الحادث، بين أميركا البيوريتانية، تلك التي تمضي في إثر روح الآباء المؤسسين، والذين عملوا جاهدين للحفاظ على أمتهم، كمدينة فوق جبل، من ناحية.
ومن ناحية ثانية، نجد هناك التيار الجاكسوني، ذلك الذي يعني أن يحتفظ كل عرق من أعراق أميركا بهويته الأصلية، بل وربما يفضل حاضنة بيئية مكانية تميل أكثر إلى فكرة التجمعات العرقية، وفلسفة الغيتوهات، من جانب آخر.
ولعله من الطبيعي جداً أن تطفو على السطح أزمة اللسانيات في الداخل الأميركي، والمعروف تاريخياً وفي مختلف الحضارات البشرية، أن اللغة هي لسان الأمم والشعوب والمعبرة عن كيانها والعاكسة لثقافتها.
هنا تبدو إشكالية أميركية أخرى تعمق الشرخ وهي صراع اللغة، فخلال الفترة الزمنية من 2020 إلى 2030، سوف يزداد حضور اللغة الإسبانية، والتي ستمتد من تكساس حتى كاليفورنيا، وهذه ستقود حكماً إلى تعظيم مسألة الانقسام المجتمعي بين سكان المدينة الواحدة، فالبيض والأغنياء ستراهم يسكنون شمال المدينة، فيما الأميركيون الآخرون سيتقاسمون الجنوب، ما بين مربعات للسود، وأخرى لأصحاب الأصول الإسبانية، وربما جزء ثالث لمن هم من جذور آسيوية، فيما الكارثة الكبرى، أن تلك الجماعات التي تعبر عن طبقات حضارية إنسانية، لن ترتاح إلى بعضها بعضاً من منطلق هوياتي، الأمر الذي يقود إلى تأكيد فشل أميركا في خلق نموذج للتعايش السلمي بين المواطنين من مختلف الأعراق والأجناس.
.. هل شاهدنا مؤخراً مثالاً على ما نقول به؟
 في غالب الأمر هذا ما حدث خلال أشهر الصيف الماضي، حيث اشتعلت المظاهرات في واشنطن تقريباً، لا سيما في أعقاب مقتل الشاب الأميركي «جورج فلويد»، فقد ظهر عمق الأزمة عند الأميركيين من أصل أفريقي، واتضحت المأساة من خلال صدامات عنيفة من قبل أصحاب تيار «حياة السود تهم».
لقد بدا واضحاً أن مرحلة الانعزال السلمي قد انتهت خلال الصيف الماضي، ولم يعد أحد قادراً أو راغباً في أن يداري أو يواري حزازات الصدور، ما جعل المشهد ينفجر عند أول صدام على أساس العرق.
مؤخراً وفي حديث إذاعي له، أشار المؤرخ الألماني «هاينريش فينكلر»، إلى أن :«الولايات المتحدة في أزمة اجتماعية عميقة بسبب مخاوف الإحباط لدى شريحة من السكان»، والثابت أن هذا صحيح، وإن كان الرجل رقيقاً في توصيف المشهد، إذ إن الأمر لا يتوقف عند شريحة بعينها، والقضية تجاوزت الإحباط.
في مؤلفه «كيف تموت الديمقراطيات»، يتحدث الخبير السياسي الأميركي «دانيل زيبلات»، عما يسميه «ثقافة الحوار التي تعاني انهياراً طويلاً تجاه الاعتراف بالآخر في الداخل الأميركي».
هل هذا الانقسام العرقي يمكن أن يقود إلى انفراط عقد الاتحاد الأميركي، وبلسان آخر، هل يمكن للجذور الثقافية أن تفكك أميركا، بأكثر من مواجهة حرب عالمية؟ منذ ثلاثة أسابيع كتب «ألين ويست»، زعيم الحزب الجمهوري في تكساس، داعياً إلى تشكيل اتحاد ولايات، يلتزم بمبادئ الدستور الأميركي، رداً على قرار المحكمة العليا الأميركية رفض المطالبة بمراجعة نتائج الانتخابات الرئاسية.
مشهد آخر يؤكد خطورة الشقاق الفكري والثقافي الأميركي، تمثل في تشكيل ولايات «أوريغون وكاليفورنيا وواشنطن تحالفاً من ولايات الغرب للتعامل بصورة مستقلة عن المركز الفيدرالي في واشنطن». قبل الانتخابات الأخيرة تساءل عراب العولمة «توماس فريدمان»: هل أميركا مقبلة على حرب أهلية ثقافية؟ ربما أميركا في حاجة إلى إبراهام لنكولن جديد ينهي انقساماتها الفكرية مرة أخرى، كما فعل من قبل.