هزاع أبو الريش (أبوظبي)

يظل النقد البنّاء رافعة وطنية للمنجز الأدبي، حيث إنه يسهم في صياغة المشهد وتجدده بانتقاء المعنى وارتقاء المضمون، مما يثري الفكرة ويجعلها قادرة على التطوير والتحسين.
ولكن ما بين الواقع والمأمول هناك عدة تساؤلات تدور حول محورٍ واحد وهو النقد، ما هو واقع النقد في الوضع الحالي؟ وهل يتقبل الكتَّاب والأدباء الشباب النقد؟ وكيف يمكن أن نبني مشهداً نقدياً ذا أثر بناء يسهم في صقالة الإبداع؟
تقول الدكتورة د. خلود يوسف المنصوري، أستاذ مساعد بكلية الآداب والعلوم في الجامعة الأمريكية برأس الخيمة: عندما يكون هناك نقد، تكون هناك فكرة ومعنى، فحين ننقد نعيش الكلمة والتعبير والإحساس والصور البلاغية من الأدب، فكل ذلك يجعلك تعيش النص بجمالية المعنى. مضيفة: إذا كان النقد بنّاء ومبنياً على أسس أكاديمية سليمة، فلن يتحسس من النقد أي أديب؛ لأنه سيشعر بإضافة تجدد من كتاباته القادمة. 
وتابعت المنصوري: من يتحسس من النقد الموجه له، فهناك سببان، إما أن النقد لم يكن مبنياً على أسس ومعايير أدبية ويكون النقد «مشخصن»، أو أن العمل نفسه لا يرتقي لمستوى الأداء المتميز. فالأديب الواعي والمثقف هو من ينقد عمله قبل غيره، ويستفيد من النقد. لافتة: ولكننا أيضاً اليوم نفتقر إلى المنصات التي تطرح وتناقش النقد الأدبي، وتتناول النصوص بمنهجية النقد الأدبي البناء. 
وترى الدكتورة فاطمة المعمري، دكتوراه في اللغة العربية وآدابها تخصص الأدب والنقد، أن النقد الجدلية الأكثر حضوراً، ولكن هل سيكون النقد دون الجدلية هو الحاضر مستقبلاً؟ هذا ما نتساءل عنه دائماً. مشيرة إلى أن هناك نقاداً كثراً وأكاديميين بيننا، ولكن المنصات النقدية هي التي تحتاج إلى اتساع وتوسع.
وأوضحت المعمري: إنني أعتقد أن وجود عدد كبير من المبدعين أمر مبشر بخير، ويجب أن تعمل المؤسسات الثقافية على استحداث وظيفة «ناقد»، ويكون عمله قائماً على دعم الكتاب وتقديم النقد الخاص والسري لهم حتى ينتفعوا به حقيقة، وربما يجب أن لا يصدر الكتاب الأول لأي مؤلف دون أن يعبر على الناقد لوضع مرئياته حول الإصدار والفكرة نفسها.
وأشارت الناقدة والباحثة الدكتورة عبير الحوسني إلى أنه لا يمكننا إنكار أن هناك نفوراً وعزوفاً بين جمهور المثقفين وغير المثقفين تجاه النقد، وقد يعود السبب في ذلك إلى الصعوبات التي تواجههم لاستيعاب فكر أصحاب الفكر النقدي، وطريقة معالجتهم للمسائل النقدية، فالناقد وللأسف يشغل مساحة صغيرة على الساحة العربية بخريطته الثقافية، إضافة إلى أن الاهتمام بات منْصبّاً على الأدب بشقّيْه الشعر والنثر، بعيداً عن التفكير النقدي والنظريات الفلسفية، ومن الأسباب التي تؤدي إلى عزوف المتلقي عن التفكير النقدي هو الخوف من التفكير بحرية، وهذا بحد ذاته يضعف النقد ويقتله، لذلك نحن لا نجد مثل هذه الظاهرة (ظاهرة وأد التفكير الناقد عند الغرب)، ويعود السبب الأول في ذلك إلى وجود المؤسسات الثقافية والعلمية التي تحتضن التفكير الناقد وتشجع على إعمال المَلكة الفكرية النقدية، وقد نسأل: كيف يمكن لهذه المؤسسات أن تدعم النقاد وتحفز التفكير الناقد؟ يمكنها ذلك من خلال عنايتها بالكتابات النقدية والإعلان عن النتاجات والأقلام الفكرية ومكافأة الناقد على مجهوداته الفكرية، وهذا أقل ما يمكن فعله لتعزيز ثقتهم بذواتهم.