محمد نجيم (الرباط)

تمنحنا تجربة الفنان المغربي محمد المنصوري الإدريسي، في معرضه الجديد في طنجة، فسحة من تأمل الجمال النابعة من تاريخ طويل من الإقامة في دهاليز الألوان والريشة، وهي تجربة عرفت على امتداد السنوات الكثير من النجاحات والتكريمات والجوائز، مغربية ودولية. فنان يغوص غوصا بين الظلال والرموز والعلامات ومساحات الضوء ليعطي للمتلقي لوحات بتجليات وحمولة من الجمال النابعة من أجواء صوفية وثراء إيقوني شاسع. إنه برع إلى حدٍ ما، في الكشف ما يسكن روحه من عشق للألوان مع تعامل شديد الرهافة مع الموسيقى وتوزيع الألوان داخل فضاء اللوحة بنغمية تجريدية تغتني بدلالات روحية ومؤهلات فنية عالية، ما يجعل من منجزه الفني وحدة متكاملة ثرية مثقلة بنغمية ضوئية تتبدى للمتلقي من خلال حركية يمتزج فيها اللون مع إشارات الرمز وقوته. ومن هنا لا يمكن إلا أن نقول إن الفنان الإدريسي يتخذ من قوة التعبير اللوني أساس متنه الجمالي. مُتكئا على ألوان فاتحة تمنح الفرح والانشراح.
لمسة الفنان الساحرة والمهيبة تتمثل، كما وصفها الناقد الجمالي محمد الشيكر، في قدرته الاستثنائية على نقل عين المشاهد من صعيد الرؤية البرانية، المتسربلة بتفاصيل العالم العيني إلى صعيد الرؤيا الجوانية المأهولة بالرموز والبلاغات والشعريات. ولأن تلك اللمسة «المنصورية» الآسرة، لا تنقل إلينا أشياء الطبيعة بل تقبض، برهافة وشموخ، على أشد الانطباعات التباسا وكثافة، ولا تضع ملء ناظرينا ما تألفه العين من مدركات حسية، بل ما يخالج الوعي من سوانح وما يتخايل على صفحته من تهيؤات وأضغاث رؤى وأحلام، فيسوغ لنا أن نُصنّف عمل المنصوري ضمن نوع من الانطباعية الجديدة أو الفائضة، وتجريدات اللون وتجنيحاته، وتنزلاته وتعريشاته هي عنوان هذه الانطباعية المحدثة. على أن اللون، عند المنصوري، ليس محض أداة لإنشاء عالم فني ما وتأثيث زواياه أو التمييز بين لحمته وسداه. إنه، بخلاف ذلك، مملكة قائمة بذاتها. ولن نتهيب، في هذا المقام، من الإقرار بأن المنصوري، هو فارس اللون وأميره الأسمى، وهو سيد كيمياء الألوان وأخلاطها وتفاريقها وسيميائها وشعرياتها.
ولن يعسر على عين المشاهد أن تدرك كيف يتخلق اللون، في لوحات المنصوري، وكيف تنشأ عنه عوالم ومعالم وعلامات لا حد لتناسلها، ولا حصر لتناسخاتها. عالم المنصوري التشكيلي، يضيف الدكتور الشيكر، لا يحيلك على مرجع في العالم الحسي، إنه عالم تخلق، للتو، وتدثر باللون والضوء والظل، بل عالم لا يني يتخلق ويتشكل من أطياف وتشكيلات وتهويمات أجساد بلورية ومارقة، تضطلع برقصة الترقي شطر معارج النور، تتماوج وتتخايل، وتتخاتل وتتشاكل، لكنها لاتنفك عن طقس التعالي، حتى في أقوى لحظات أوديسا المحايثة، وفي أبهى مقامات الحلول. 
أما الناقد الجمالي محمد أشويكة فقد وصف أعمال الفنان محمد المنصوري بقوله «اللوحة لدى هذا الفنان تتضمن تقاسيم تحيل على ظلال وألوان الطيف.. فإذا ما أردنا وصف تنوع الألوان بشكل عام في مجمل الأعمال، فإن طابعها الموسيقي يبدو واضحا من حيث ارتباطه بالتقاليد الجمالية اللونية، إذ يتضمن بناء اللوحة تسلسلا لونيا أو تقسيما خاصا يمكن تحديده عن طريق شبكة تجمع بشكل تفاضلي بين الاختيار العقلاني للفنان والتلقائية التي يفترضها التحرر الفني الخاص باللطخات والامتدادات اللونية والشكلية وغيرها.