إيهاب الملاح (القاهرة)

لم تكن سجالات كبار التنويريين والنهضويين العرب في القرن العشرين بعيدة عن دراسة وتحديث مناهج اللغة وتطويرها، وفي القلب منها سجال الفصحى والعامية الذي حظي بنصيب الأسد طوال خمسينيات وستينيات القرن الماضي. من أهم من قدموا آراء مستنيرة وواعية بهذا الإشكال؛ المرحوم الناقد الراحل محمد مندور الذي كان يلقب بـ «شيخ النقاد» وله في هذه القضية آراء مهمة ومعتبرة؛ سنقف على بعضها في نص مهم له عالج فيه مشكلة جهل الكتّاب والأدباء باللغة التي يكتبون بها، ويشي مندور بوضوح ومنطق محكم إلى ما يحسم الصراع المفتعل بين استخدام الفصحى والعامية على المستوى الفني.. يقول مندور:
«والضعف في اللُّغة ظاهرة عامَّة، لست أدري كيف لا تتوفر كافة الجهود وتعمل المستحيل للتخلص منه، وذلك لأننا لا نعرف أدباً ارتفع إلى مستوى عالمي أو شبه عالمي مع جهل أصحابه باللُّغة التي يكتبون بها. ولقد رأيت شُبَّان اللغات العالمية يتقنون لغتهم إلى حد الكمال بمجرَّد انتهائهم من مرحلة التعليم الثانوي، فالشاب الفرنسي أو الإنجليزي رأيته عند الالتحاق بالجامعة يملك لغته ويجيد التصرف فيها واستخدامها للتعبير عن أدقِّ المشاعر وأرهف الخواطر التي تختلج في نفسه، كما يملك من مفردات تلك اللُّغة ما يعينه على وصف أدقِّ المشاهد دون أن يخطئ في نحو أو يتعثر في إملاء».. ثم يضيف:
«وأما شبابنا فلا يخلو ما يكتبونه أو لا يكاد يخلو من خطأ نحوي أو خطأ في الإملاء، وكأنهم أعاجم، حتى أصبحت أعتقد اعتقاداً جازماً بأن المناقشات التي تدور باستمرار حول العامِّية والفُصْحَى لا تعود إلى اختلافات في أوجه النظر الفنية أو الاجتماعية، بل تعود إلى الجهل باللُّغة الفُصْحَى، والتسليم بهذا الجهل ولو بين الإنسان ونفسه، واليأس أو شبه اليأس من تعلُّمها تعلُّماً صحيحاً كاملاً، وفي النهاية الكسل والتكاسل عن بذل المجهود اللازم لتعلُّمها، مع توهُّم أن استخدام اللُّغة العامِّية على نحو فني جميل أسهل من استخدام الفُصْحَى، رغم خطر هذا الرأي لأن اللُّغة العامِّية ذاتها ربما كان استخدامها استخداماً فنِّيًّا أشقَّ من استخدام الفُصْحَى، وأكثر حاجة إلى موهبة لغوية خارقة».. (من «الكتابات المجهولة لمحمد مندور» الجزء الأول؛ مقال «مناقشات العَامِّيَّة والفُصْحَى»)
وفي رأيي، فإن المرحوم مندور قدم وجهة نظر بارعة في هذا التعارض الظاهر بين الفصحى والعامية -وهو تعارض موهوم وعلى غير الحقيقة- فالفصحى هي الأصل والأوجب في الاعتماد، أما العامية فهي نشوء طبيعي ومتطور لمستوى من مستويات الاستخدام اللغوي له محله واعتباره، وفي حال الالتجاء إلى التعبير به فنياً، فذلك يستوجب استعداداً وثقافة خاصة ووعياً فنياً بارعاً، كما ذكر صدقاً مندور.. المشكلة أن الذين لا يقدرون على الفصحى يتوهمون بالتجائهم إلى العامية دون نظر وتدبير أنهم بذلك «مبدعون»، وهذا وهم وفرار من تبعات التعلم والإجادة.. لا أكثر.
لقد أصاب الدكتور مندور الحقيقة، وشخّص موضع الداء؛ فالجهل باللغة الفصحى والتسليم به بات ظاهرة عامة، خصوصاً، بين الطلاب في مراحل التعليم المختلِفة، الأمر الذي تظهر نتائجه بعد ذلك في مجال الأدب بين الكُتاب، فيلجأون إلى العامية التي يتوهمون إتقانها، وما هُم بمتقنيها لأنها أشقُّ من استخدام الفصحى، إذا هم تيقّنوا ذلك!! من يراجع مقال المرحوم الدكتور محمد مندور كاملاً (في موضعه)، يدرك أنه لا يهاجم العامية أبداً، إنه يدرك ماهيتها وطبيعتها وإمكانية التعبير الفني بها حال استيفاء شروطها.
يمثل رأي الدكتور مندور، إذن، فئة النقاد والأساتذة الذين يدرسون الظاهرة ويحللون أسبابها ويردونها إلى عواملها؛ فماذا عن رأي أهل الإبداع ومنشئي النصوص أنفسهم عن هذه القضية؟ هذا ما سنعرضه في الحلقة القادمة..