إبراهيم الملا

(يا هبوبٍ باتت تْمادي / م المغيب وجانح سهيلي
يوم طاح الطلّ والنادي / والملا هيّع مذاهيلِ
ذكّرنيه بالذي غادي / مبعدٍ ما طاله الحيلِ
لو بغيت ألهو يا ليوادِ / والتمس منهم مواصيلي
ما سلت عيني ولفوادِ / منه يومٍ علّ تنهيلي)

يستدعي الشاعر الكبير أحمد بن خليفة الهاملي في القصيدة أعلاه ما يمكن أن نسميه «دراما الطبيعة وتحولاتها» كي يؤنسنها ويمنحها صفة مغايرة لتكوينها المادي الصرف، ذلك أن الشاعر لا ينظر للأشياء بشكل محايد ولا يضعها خارج المنظومة الجمالية المرتبط بها روحياً والمنتمي لها عاطفياً، يستدعي الهاملي في مطلع القصيدة صوت وحركة الريح «الهبوب»، وانهمار المغيب، وجنوح وعنف رياح «السهيلي»، وانتشار الطلّ والندى والضباب، وسط ظلمة حالكة، اختار «الملأ» أن يتغاضوا عنها ويتناسوها بالهجعة والنوم، بينما اختار شاعرنا السهر وحراسة ذكرياته الجامحة المساوية لجموح الطبيعة وتبدّل أحوالها، أنه هنا في عين العاصفة، يجمع شتاته العاطفي، ويلملم هواجسه المتعلّقة بالمحبوب، وبغيابه المرّ، وهجرانه القاحل، غريباً ومغترباً ومبتعداً عما يجمع الناس من لهو وانشغال بشؤون الحياة ومتطلباتها، ذلك أنه محاصر بجغرافيا العشق، وساكن في أرض الوله والتذكّر والافتتان.

يكمل الهاملي قصيدته الفائضة بالجمال قائلاً:
يوم هو عندي وأنا سادي / مبردٍ مرتاح باللي لي
ما عرفت العيد م العادي / عدّت أيامي مباهيلِ
لين غادرني مِ البلادِ / وأنظره ودموعي تسيلِ
فوق «جيبٍ» لونه يْشادي / مثل لون «الليت» في الليلِ
أصفج بكفّي ولآيادي / مغرمٍ وأرضف تعاليلي

يصوّر الهاملي في هذه الأبيات الانعطافة القوية والحادّة لحالته النفسية بعد مغادرة المحبوب لأرض جمعتهما معها، ولمشاهد وذكريات تناوبا في اقتسام لذتّها وقت اللقاء والتعارف والاجتماع، يؤسس الهاملي في مطلع القصيدة لجو الهدأة وراحة البال والتي سرعان ما تتحول إلى جوّ قلق وارتياب عند ذهاب المحبوب لرحلة المقيظ في سيارة «الجيب» الجديدة واللامعة مثل لمعة الإضاءة وسط الليل، تتداخل دموع الشاعر مع لحظة الفراق المتوهّجة ظاهرياً والمنطفئة داخلياً، ليخلق من التضاد الشكلي، مناخاً شعرياً متمايزاً بمفرداته وطباقه وجناسه «ما عرفت العيد م العادي / عدّت أيامي مباهيلِ»، وهذه التحويرات اللغوية التي يلجأ لها الهاملي تعتبر من علامات شعره المتوفّر على قدر كبير من التشكيل والتزيين والزخرفة، ما يؤكد على قدرة شاعرنا التعبيرية، وامتلاء خزينه اللغوي بالثقافة المعرفية، والتقاطه الذكي للتفاصيل الجمالية في المكان وإلمامه بالحيثيات المعاصرة والقديمة للمجتمع الذي يعيش فيه ويتعاطى مع تغيراته الحاصلة.

نظرة مستقبلية
ولد الشاعر أحمد بن خليفة الهاملي في منطقة جميرا بدبي عام 1905م وتوفي - رحمه الله - في العام 1982م، وهو من القامات السامقة في ساحة الشعر النبطي بدولة الإمارات، ومن أوائل الشعراء الإماراتيين الذين وثقوا قصائدهم في ديوان شعري مستقل، وكان ذلك في العام 1976م وتمت طباعة الديوان في الهند بإشراف ومتابعة الشاعر نفسه، حتى أنه ساهم في تشكيل القصائد بخط يده، وهذا الحماس الذي أبداه الهاملي بتوثيق القصيدة الشعبية، ونقلها من حالتها الشفاهية إلى الحالة التدوينية، يدل على نظرة مستقبلية خاصة تميّز بها، خصوصا وأن الكثير من القصائد الشعبية الشفاهية ضاعت وتلاشت من الذاكرة المحلية بعد غياب الرواة ورحيلهم، ولأن النسخة الشفاهية الأصلية دائماً ما يصيبها الخلل والتغيير والنسيان عندما يتوالى الرواة على نقلها فيما بينهم، بينما تظل المخطوطة المدونة هي الأكثر مصداقية مقارنة بالنقول الشفهية والأخبار المرسلة.

الإرث الشعري
للحفاظ على الإرث الشعري لأحمد الهاملي وتدوين قصائده التالية على إصدار ديوانه الأول، قامت أكاديمية الشعر التابعة للجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في أبوظبي بإصدار ديوان جديد للشاعر حمل عنوان «أحكام النوى»، حيث قام بجمع وتحقيق وإعداد الديوان كل من: سعيد أحمد الهاملي «ابن الشاعر»، وخليفة محمد الحثبور، ومنصور عيسى ليديوي.
يقع الديوان في 515 صفحة من القطع المتوسط، ويتضمن 122 نصاً من القصائد، ويشير أحد معدّي الديوان، وهو منصور بن عيسى ليديوي إلى أنه كان لزاماً وبعد مرور أكثر من أربع سنوات من البحث والتنقيب، إظهار ديوان «أحكام النوى» لينضم إلى قافلة الدواوين الشعرية التي صدرت للكثير من شعرا النبط في الإمارات، والذين كان لهم كبير الأثر في إبراز هذا الفن الأدبي العريق.
كما تضمن الديوان 56 نصاً من المحاورات التي كان الشاعر يشاكي بها بعض الشعراء والشخصيات في مجتمعه، إضافة إلى الردود على هذه المحاورات، وهناك كذلك 3 قصائد عربية فصحى، واحدة عن جمهورية مصر العربية «دار الكنانة»، وأخرى رثاء في الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود «فيصل المشهورا»، والثالثة في حرب رمضان بعنوان «شموس النصر».
وكلمات الديوان وأشعاره جاءت مستوحاة من البيئة التي نعيش فيها حسبما يؤكد ابن الشاعر سعيد أحمد الهاملي في تقديمه للديوان، مضيفاً: «ولما كان الشعر يعبر عن أحاسيس كاتبها، فإنك تجد في الشعر النبطي الجزالة ودقة التصوير بأسلوب بعيد عن الصنعة والتكلّف استوحاها الشاعر من أفق الصحراء وبيئة البحر وأحداث الحياة المتجددة».
يذكر أن اختيار مُعدّي الديوان لاسم «أحكام النوى»، عنواناً لهذا الديوان هو من صميم القصائد التي نظمها الشاعر والتي تحدث فيها كثيراً عن أحكام القدر والأمور الدنيوية الأخرى.
من قصائد الشاعر أحمد الهاملي التي تشير إلى اهتمامه الواضح بظواهر الطبيعة ومكوناتها، وتأثره بها وتوظيفها في نتاجه الغزير والعميق في شكله ومحتواه، تلك القصيدة التي يقول فيها:
«أنا قانع وعارف حق نفسي /‏ وفي أرض الوعر ما أحطّ ريلي
أحس الأرض قبل أوطأ عليها /‏ عن الرمضا وعن شوك النخيلِ
ولو هي سندس خضر البقاع /‏ من زهور الخزامى والرقيلي»
نرى هنا استثمار الشاعر لمعرفته الواسعة ومعلوماته الدقيقة حول طبيعة الأرض ونباتاتها المختلفة، ليقدم لنا قصيدة نصح تعكس تجربة الشاعر الحياتية الممتدة، والقارئة للتحولات الإنسانية وتغيّر الطبائع البشرية، وأن ثبات المواقف شبيه بثبات الأرض، بينما تغيّرها حسب تغيّر المصالح سيحولها إلى أرض وعرة ورمال رمضاء مليئة بالأشواك والعراقيل، مضيفاً أن المظاهر الخداعة لا تستطيع أن تمارس إغواءها عليه، فحتى لو كانت الأرض غير المستقرة مزدانة باخضرارها وبانتشار زهور الخزامى والقرنفل عليها، فإنه لن يطأ هذه الأرض قبل أن يتحسّسها جيدا ويتأكد من استقرارها وخلوها من العيوب والمثالب.

«شعراء البادية»
كان أحمد بن خليفة الهاملي من أوائل مقدمي برنامج «شعراء البادية» الذي كانت تبثّه إذاعة صوت الساحل، ثم إذاعة دبي، ويعدّ الهاملي من أوائل الشعراء الروّاد الذين أسسوا لبرنامج «مجلس شعراء القبائل» في تلفزيون دبي.

غزير الإنتاج
يشير الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي في الجزء الأول من كتابه «أعلام الشعر الشعبي» إلى أن الشاعر أحمد بن خليفة الهاملي هو شاعر شعبي متميّز من الدرجة الأولى، وأنه نظم الشعر مبكراً في حياته بالفصيح والنبطي، وأنه غزير الإنتاج، واسع الثقافة، تفوّق بشعر المناظيم والمقالات القوية، كما تطرّق قليلاً إلى بحر الردح والونّة، وقال عنه المزروعي بأنه كان أديباً قبل أن يكون شاعراً نبطياً، والدليل على ذلك اهتمامه بشعر الآخرين وحفظه لأشعارهم أمثال: ابن ظاهر، وابن قمبر وغيرهما، وأشعار آخرين من الجزيرة العربية، وقد حفظ هذه الأشعار في مخطوطة لديه أصدرها في كتاب جميل أسماه (باقة من الشعر الشعبي).
ويؤكد المزروعي أن من يقرأ شعر الهاملي يجد الفرق واضحا بين شعره وشعر الآخرين من حيث غزارة الثقافة وقوة الحرف ومتانة الأسلوب واستخدامه للتورية في قصائده الغزلية، ولذلك كان نادراً أن تتحول قصائده إلى الصيغة الغنائية، حيث إن بها بعض الصعوبة، ولأن أغلبها من بحر يصعب تلحينه أو الغناء به وهو البحر الطويل أو المناظيم كما تسمى.
ووصف المزروعي الشاعر الهاملي بأنه شاعر ليس مثل بقية شعراء عصره، بل يختلف عنهم في أسلوب شعره الرصين، المتأتّي من تنوع تجاربه وكثرة أسفاره، حيث زار مصر وباكستان والهند ودولا عربية أخرى، وفي الهند طبع أول قصائده في ديوان صغير أسماه: «ديوان الهاملي»،.

قبيلة الهوامل
يقول الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي، إن شاعرنا أحمد بن خليفة الهاملي ينتمي إلى قبيلة الهوامل التي تقطن أبوظبي والمناطق الغربية منها، وهي أيضاً القبيلة التي أنجبت شاعر الإمارات الكبير سعيد بن راشد بن عتيج الهاملي المتوفى عام 1919م.كان جدّ الشاعر وهو محمد الهاملي انتقل إلى منطقة جميرا بدبي لممارسة مهنته المفضّلة المتمثّلة في الصيد والغوص، وتلقى الهاملى تعليمه الديني وهو ما زال صغيراً، فحفظ القرآن الكريم، وتعلّم الخط والقراءة والحساب على يد أحد مشايخ العلم في دبي، وهو الشيخ «محمود» الذي قدم من جزيرة «جسم»، ثم تتلمذ شاعرنا على يد الشيخ «جمعة بن سيف»، وهو أحد المشايخ المعروفين في المنطقة، وقد عمل شاعرنا لاحقاً في البحر مع أشقائه، واختبر مشاقّ البحر وأهواله في سبيل توفير معيشة مستقرة له ولأسرته، وسافر الهاملي للعمل في الكويت بداية الأربعينيات، وهناك تعرّف على شعراء إماراتيين عملوا في الكويت أمثال الجمري وربيّع بن ياقوت وغيرهم، وعاد شاعرنا إلى دبي في منتصف الخمسينيات الماضية، وامتهن التجارة ثم صار موظفا في لجنة الشؤون الاجتماعية، وشغل بعدها وظيفة «المعرّف» حتى وفاته عام 1982م.