تظلّ السّمفونيّة التّاسعة التي ألّفها بيتهوفن ما بين 1770 و1827، والتي نحتفل بذكراها المائتين والخمسين، ذلك العمل الموسيقيّ المهيب الذي اعتبر ولا يزال، أحد أعظم الأعمال الموسيقيّة على مرّ الأزمان. وجاء هذا التّأليف الموسيقيّ الباذخ ليرسّخ على نحو بليغ، انتصار الفرح والإخاء على اليأس والقنوط، وليكون نابضاً بزخم إنسانيّ وكونيّ استثنائيّ قلّ نظيره في تاريخ الموسيقا.

كان فاغنر الذي أشاد أيّما إشادة بهذا العمل الفذّ، قد أشار في مذكّراته إلى أنّ ما أزعجه إلى التّأليف الموسيقي، هو سماعه، وهو في سنّ مبكّرة، للسّمفونيّة التّاسعة. وكان الوقع الانفعالي لهذه السّمفونيّة على نفس الرّجل يومها عظيماً، حتّى أنّه غدا منذ سماعه لها يريد «أن يكون بيتهوفن ولا شيء آخر!» (والكلمات هنا هي لفاغنر). فكان بيتهوفن في نظر فاغنر، يمثّل «النّموذج الأرفع شأناً للفنّان الذي شهق بفنّ الموسيقا إلى مراقٍ متعالية من الجمال الآسر المهيب، مخلّصاً إيّاها من أشكالها الأصوليّة المتقادمة، ومولّداً لموسيقا صالحة لعموم البشر، طالما أنّ إيقاعاتها تفصح عن تطلّعات الجنس البشري برمّته، الجنس البشري الأكثر تعلّقاً بالتّسامي والرّفعة، وبالتّوق إلى رحاب السّرمديّة التي تتخطّى حدود المكان والزّمان». 
أمّا شوبنهاور، الذي اعتبر الموسيقا الصّيغة المحضة للإحساس، فقد رأى في بيتهوفن الذّروة الباسقة للفكر الموسيقيّ، والذي لا تطال أعماله، من حيث الفخامة والوقار، أيّ أعمال موسيقيّة أخرى، بما في ذلك أعمال باخ وموزارت. وقد أسرّ بيتهوفن ذات يوم إلى جوناتان ستانبف، صديقه وصانع آلات البيانو: «حين يحلّ المساء، كانت روحي وأنا أتأمّل مدهوشاً قبّة السّماء، تنطلق مجنّحة إلى ما وراء النّجوم المفعمة بالرّجاء، إلى حيث يتفيّض متدفّقاً كلّ عمل مبدع، ويتردّد كلّ نفس خلاّق.. فما يطال القلوب، لاشكّ في أنّه ينهمر من الأعلى. ولو كان الأمر عكس ذلك، لكنّا بصدد الإنصات إلى أصوات منبعثة من أجساد لا أرواح لها».

بلسم للأرواح التّائهة
ويرى بيتهوفن أنّ الموسيقا، كما الفنّ عموماً، ينبغي أن تنطوي على قيم أخلاقيّة قادرة على إثراء الطّبيعة البشريّة وتغييرها. ولذا، حين أجهش جوته بالبكاء وهو ينصت ذات يوم للموسيقا، كتب له بيتهوفن موضّحاً: «صديقي العزيز، إنّ الفنّانين الأصيلين لا يبكون، فالموسيقا ينبغي لها أن تهزّ مشاعر النّاس فتغيّرها، ولا أن تسلمهم إلى حالة الإرباك». وفي المعنى ذاته، كتب بيتهوفن في مذكّراته: «أوَلاَ تُغيّر الموسيقا ما بالإنسان، أفلا تجعله مختلفاً وأكثر إنسانيّة؟ قطعاً! ذلك هو ما يحدث فعلاً أثناء العرض الموسيقيّ، غير أنّ هذا الإنسان، حين يخرج إلى الشّارع، سرعان ما تستنزفه الحياة اليوميّة من جديد. لعلّ الإحساس بالتّسامي الذي تولّده لديه الموسيقا، هو الذي يجعله تائقاً إلى أن يعيش الإحساس ذاته، ومن جديد، في حياته اليوميّة. وسيتوفّق لا محالة في ذلك، طالما كان ذلك الإنسان رحيماً ومنسجماً مع الضّوابط الأخلاقيّة النّاظمة لحياة البشر». 
هكذا، وبغضّ النّظر عن وقع موسيقاه على وجدان الإنسان، كان بيتهوفن لا ينشد في ما وراء ذلك مكامن الجمال في الذّات البشريّة فحسب، ولكنّه كان يحاول عبر ذلك الجمال ملامسة مكامن الحقيقة والخير الكامنين فيه، أي أنبل ما استودع في سرّه من تسامٍ وجلال، حتّى وإن أزعجه ذلك إلى إبداع صيغ أخرى من التّأليف تكون أقدر على سبر أغوار النّفس البشريّة، وكان في سعيه ذاك يعمل على تطويع الشّكل للفكرة، دونما قطع مع الموروث الذي كان دوماً يجلّه، والذي شكّل القاعدة الصّلبة التي سيشيد عليها أعظم أعماله الفنيّة. وحين سئل بيتهوفن عن ماهية الفنّ، كانت له هذه الإجابة الصّارمة..الجامعة: «الفنّ.. هو تلك الحراب التي نلقي بها إلى أبعد مسافة ممكنة كيما نستشرف أنوار الحقيقة!».. 

  • بيتهوفن
    بيتهوفن

في ظلّ عملاق
ليس ثمّة من مؤلّف موسيقيّ آخر يكون قد أثار مثل بيتهوفن، ذلك القدر من التّمجيد والتّوقير، في حياته كما بعد مماته. وقد أنبأنا برامز أنّه كان يجد صعوبة جمّة في تعاطي التّأليف الموسيقيّ وهو يستشعر ظلّ بيتهوفن العملاق من وراءه. كما ليس ثمّة في الإرث الموسيقيّ لهذا «العملاق» من عمل إبداعي يرقى إلى مستوى السّمفونيّة التّاسعة من حيث أبعادها الإنسانيّة والكونيّة، هذه السّمفونيّة التي اعتبرها فاغنر بمثابة الفنّ المتسامي لبيتهوفن، ومنعرجاً غير مسبوق في المسيرة التّاريخيّة للموسيقا والفنّ.
وقد انطوت هذه السّمفونيّة على الوصيّة الرّوحيّة لبيتهوفن، بوصفها الرّسالة الأخيرة التي وجّهها هذا الموسيقيّ العارم إلى عموم البشر. وحين نتحدّث عن السّمفونيّة التّاسعة، غالباً ما يتبادر للذّهن، وبشكل مباشر، «نشيد الفرح»، الذي شكّل الحركة الأخيرة في السّمفونيّة وذروتها السّامقة. وحتّى يبلّغ بيتهوفن بالقدر الأقصى من الوضوح فحوى تلك الرّسالة -تحقيق حالة من الإخاء الكونيّ بين جميع البشر يتخطّى جوانب الاختلاف بينهم- استخدم لأوّل مرّة في تاريخ تأليف السّمفونيّات، الصّوت البشري، كما لو كان يريد تركيز الاهتمام بصورة خاصّة على الكائن البشري، وليس على الموسيقا فحسب التي تمثّل الجانب التّجريدي في التأليف.

نشيد الفرح
كان بيتهوفن قد أعرب مراراً عن إعجابه الشّديد بشعر جوته وشيلر، ولكن ثمّة قصيد لشيلر انبهر به عميقاً منذ صباه الباكر، وخلّف آثاراً باقية في السّمفونيّة التّاسعة، ألا وهو «نشيد الفرح». ولمدّة ثلاثين سنة سيظلّ فكر بيتهوفن يطوّف حول كلمات ذلك القصيد، كيما يتلمّس الصّيغة الموسيقيّة الأمثل القادرة على ترجمة ما حفل به من نفحات إنسانيّة رائعة.
وقد شرع في العمل على ذلك النّشيد، إلى أن أتمّ سنة 1823 إعداد الحركات الثّلاث الأولى منه، غير أنّ الحركة الرّابعة لم تكن بلورتها بالأمر اليسير، إذ كان عليه إقحام الصّوت البشري في السّمفونيّة، وإيجاد صيغة ملائمة من التّأليف تجعلها متّسقة مع عمق وبلاغة رسالة شيلر. وفي ما يلي مقطع صغير من النّشيد بعد أن أضاف له بيتهوفن بعض اللّمسات:

أيّتها الفرحة، أيا شرارة الآلهة الملتمعة في غيهب السّماء!
أيا سليلة أرض الخلود!
نشوى وبحماس غامر، ها نحن نلج
عبر الأثير.. حرمك القدسيّ!
حيث ترفرف أجنحتك
وتنعقد بين البشر أواصر أخوّة جامعة، 
ومغتبطين كالأجرام السّماويّة
ها نحن نمتطي في السّعي إليك، صهوة الأفلاك
لاقتحام سديمك العظيم.
لتمضوا أيّها الإخوة، ولتحثّوا الخطى!
ولتهزّكم نشوة الأبطال المتشوّفين إلى ساحات النّصر!
ليكن العناق هو هاجسكم!
ولتسْرِ المحبّة دافقة بين الجميع! (...).
أفلا يتراءى لكم مبدع الوجود من وراء حجب الوجود؟
لتمعنوا في البحث عنه في ما وراء القبّة الزّرقاء!

(...)

عمل ملحميّ ارتقى بفنّ الموسيقا
إلى ذرى الإبداع الكونيّ
لقد تمّ تقديم هذا العمل الموسيقيّ الباذخ يوم 7 مايو 1864 ليظفر داخل قاعة العرض حينها، بنجاح عارم وغير مسبوق، غير أنّ بيتهوفن الذي أصيب بالصّمم في تلك الأثناء وغدا منتهباً للمرض، لن يستشعر إلاّ بعد حين، التّصفيق الحارّ للجمهور الذي هزّ القاعة. ومذّاك، لم تنقطع مناسبات الاحتفاء به، إلى أن غدت هذه السّمفونيّة النّشيد الرّسمي لبلدان الاتحاد الأوروبي، بل رمزاً فنيّاً شامخاً يروق لكلّ محبّي السّلام، وبعيداً عن الانتماءات الأيديولوجيّة، الاعتداد به. 
فأيّ سرّ كان يختفي وراء هذا النّجاح المدهش، وحمل النّاس على اختلاف مشاربهم الفكريّة والذّوقيّة وتنوّع انتماءاتهم القوميّة والأيديولوجيّة على تلقّف هذا العمل بنفس الحماس وبذات الإحساس. إنّها بلاشكّ كونيّة الرّسالة، التي أرادها بيتهوفن متسامية، كيما تلامس الإنسان في جوهره الصّميم، وتخاطب ما يستكنّ في سرّة من توق إلى القيم الرّوحيّة ومن تعلّق بكلّ خلق كريم.. أصيل. وليس من قبيل الصّدفة، والحال تلك، أن يصرّح فاغنر أنّه «مستعد لمحو كلّ الإرث الموسيقيّ القديم، ولكن باستثناء السّمفونيّة التّاسعة»، إذ اعتبرها تغريدة المحبّة والأخوّة الوحيدة التي قد تقرّب بين عموم البشر.