ترجمة: أثمار عباس

يقال: من المهم أن تكون سريعاً في إنجاز ما تقوم به كي لا تهدر وقتك وتترك حياتك تضيع من بين يديك. ويقال أيضاً: من المهم أن تكون بطيئاً ولا تستعجل، أن تتمهل وتأخذ وقتك الكافي كي لا تُخطئ ويذهب جهدك سدى. 
إذن ماذا نفعل؟ كيف يمكن أن نوفق بين هذين الأمرين النقيضين؟ هل نأخذ وقتنا الكافي أم نسرع؟ 
ليس من السهولة دائماً معرفة الصواب من الخطأ، سواء كنا مسرعين أو بطيئين. وبالإضافة إلى ذلك، قلما يقرر المرء وقته الخاص به، فهناك دائماً آخرون يتحكمون بأوقاتنا، ولكن غالباً ما يُكافأ الشخص الأسرع وليس الأبطأ. 

لا أحد يستطيع أن يرى الزمن، ولا يمكن لأحد أن يسمعه أو يُمسك به، لكن يمكن أن نراه عبر تغيير الفصول. عندما تبدأ الأزهار بالتفتح في فصل الربيع، أو عندما تتساقط أوراق الخريف، أو عندما ينزل الثلج ويغطي الشوارع، أو عندما نشعر بحرارة الشمس على أجسادنا نعلم أن الوقت قد مضى وحل فصل الصيف مرة أخرى. 
رجل ينام لمدة عشرين عاماً، وعندما يستيقظ يرى كل شيء من حوله قد تغير، زوجته التي كان لون شعرها أسود يصبح رمادياً، وقسمات وجهها تملؤها التجاعيد. ولده الصغير الذي كان يقود دراجته الهوائية ذات الثلاث عجلات، يقود الآن سيارة كبيرة. الشجرة التي زرعها عندما ولدت ابنته الصغيرة أصبحت كبيرة الآن بشكل لا يصدق. مقهى الحي الذي كان على زاوية الشارع، أغلق وتحول إلى محل بيع للهواتف النقالة. 
عندما ينظر المرء إلى تلك التغييرات التي من حوله، يفهم عندها أن الوقت قد مضى. ولكن إذا لم يتغير شيء ولم يرَ ذلك الرجل زوجته وأولاده قد تغيروا ولا يعلم بنمو الشجرة التي زرعها، فلن يكون على علم كم مضى من الزمن على نومه. 
في عالمنا الذي نعيش فيه كل شيء يتغير مع الوقت. 

الوقت يغيرنا 
الوقت يغير كل شيء. بمرور الزمن، كل شيء يتغير ويصبح في تحول هائل إلى درجة أننا أحياناً نشعر بالخوف من ذلك التغير. يمكن للزمن أن يرعبنا، أو ربما يقلقنا، لأننا لا نعرف كيف ستصبح أشكالنا عندما نكون كباراً في السن. هل سيبقى شكلي كما هو، أم أنني سأتغير وأصبح شكلاً آخر؟ أو كما هو الحال عندما أنظر إلى جدي الآن. من الصعب أن أصدق أن هذا الرجل العجوز كان يوماً من الأيام طفلاً صغيراً يرضع الحليب، هل حقاً هذا الشاب الوسيم في الصورة أمامي هو نفسه هذا الرجل العجوز الذي يتكئ على عصاه وشعر رأسه متساقط؟ هل حقاً هو الشخص نفسه الذي في الصورة؟ الجواب: نعم، إنه هو وفي الوقت نفسه لا، لقد غيّره الزمن كثيراً. بالتأكيد غيّر الزمن شكل جسمه، كما غير شخصيته أيضاً، إنه الآن لا يشبه ذلك الشاب عندما كان صبياً ولكنه أيضاً يشبهه قليلاً. لهذا السبب يرعبنا الزمن. نحن نعرف من نكون الآن، لكننا لا نعرف كيف سنصبح. قد نتساءل: يا ترى هل سنتعرف على أنفسنا عندما نصبح كباراً في السن؟ 

الوقت مدير 
بعد دقيقتين من الآن، سنجلس إلى مائدة الطعام ونبدأ بتناول طعام الإفطار. 
بمعنى، عندما يدور عقرب الساعة دورتين، يتوجب علينا الجلوس إلى المائدة لنبدأ بتناول الطعام. 
بعد دقيقتين.... يتبيّن لنا هنا أن الساعة؛ أي الوقت هو الذي يقرر على بطوننا، الوقت هو الذي حدد اللحظة بالضبط متى سنأكل. إن الوقت هو الذي يقرر متى تنطلق القطارات، متى تبحر السفن، متى تقلع الطائرات، ولكن عندما يقول المرء: 
- إذا شعرت بالجوع، تعال وكُل! معنى ذلك أن البطن هو الذي يقرر وليس الوقت. 
بما أنّ الوقت هو الذي يقرر، يمكننا القول: عليك الاستمرار بقراءة هذه الجريدة لمدة ربع ساعة أخرى، ثم بعد ذلك ينبغي أن تقوم بإنجاز عملك. لكن إذا كان الوقت لا يقرر فيمكن القول: عندما تنتهي من قراءة الجريدة أنجز عملك. بالنظر إلى أن الوقت هو الذي يقرر يمكننا القول: 
- لقد عملتَ لمدة نصف ساعة فقط وهذا لا يكفي. 
لكن إذا لم يقرر الوقت يمكن القول: 
- يمكنك أن تنهي عملك متى شئت. 
إن الوقت هو المدير على البشر، الوقت هو الذي يقرر متى نبدأ العمل ومتى ننتهي. متى تبدأ الإجازة ومتى تنتهي. متى يبدأ برنامجك المفضل في التلفزيون ومتى ينتهي. الوقت يقرر حتى في الأعياد والمناسبات الرسمية، فهو الذي يحدد متى تبدأ ومتى تنتهي. عندما نحتفل بذكرى حدث ما أو مناسبة معينة، نقوم بالترتيبات والتجهيزات اللازمة استعداداً لذلك التاريخ لنحتفل. وتحتفل العائلة في عيد ميلاد ولدها الذي سيبلغ التاسعة، ولكنها لا تحتفل لأن ولدها زاد طوله وأصبح متراً وأربعين سنتيمتراً. هناك من يحتفل لتكريم أحدهم لمرور عشرين عاماً على خدمته في العمل، وآخر يحتفل لبلوغه سن الستين وحصوله على التقاعد. كما يحتفل آخرون عند نهاية السنة لانتهاء عام وبداية عام جديد، فعندما يصبح ميل الساعة الكبير والصغير على الساعة الثانية عشرة في الليلة الأخيرة من السنة، يحتفل الناس يهنئ بعضهم بعضاً، ويتمنون لبعضهم بعضاً سنة جديدة سعيدة. كل هذا بقرار من الساعة والتقويم السنوي!