عبد الوهاب العريض (الدمام) 

«كيف يمكن للشعر أن يتضمن تعريفاً لشيء، وهو معني بما ينقض التعريفات كلها، التعريفات بما هي محاولة لتقييد الأشياء في حدود اللغة وضمن ضوابط المنطق»، بهذه الكلمات يحاول الدكتور سعد البازعي تقديم ما يثيره ضمن كتاب «الفرح المختلس.. رهان الشعر» الصادر حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، إذ يقدم فيه قراءات نقدية لعدد من الرهانات الشعرية.

ويحاول البازعي في مقدمة الكتاب عرض رؤيته للشعر فيذهب مع الشاعر أمل دنقل «وقعت عيني في أسر عبارة أمل دنقل حين وصف الشعر بأنه فرح مختلس.. لكم رأيتها، عند أعتاب كل كتاب عن الشعر أردت نشره»، ويعرّف كتابه قائلاً «هي قراءات تفاوتت تبعاً لتفاوت النصوص، وتفاوت الزمن وظروف القراءة». وفي محاولة للإجابة عن أسباب كتابة الشعر «والحال بتلك الكآبة»، يقول الدكتور سعد «إنه الرهان على إمكانية اجتراح الجمالي والدلالي من المشهد، الإيمان بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، كما يقول درويش، ما يستحق الكتابة عنه، يمكن أن نضيف، وكذلك ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش. إنها إمكانية استنبات الأزهار حتى من الشر، كما يقول بودلير، رؤية الأمل في قلب الألم».

معارك ثقافية
وعن حركة الحداثة الأدبية في السعودية يقول البازعي «لم تكن أدبية محضة، أن مواجهة الحركات الإسلاموية المتشددة اضطرتها للدخول في معارك ثقافية مسيّسة جرى فيها تبادل التهم وإن كان الجانب الديني أقوى وأكثر منعة في خطابه الشعبوي».
وابتعد البازعي في «الفرح المختلس» عن القصائد المنشغلة بالسياسة، حيث يقول «الكتاب يضم قراءات تتركز على جوانب من الإنتاج الشعري أقل انشغالاً بالسياسي وأكثر انغماراً بالإنساني والإبداعي»، كما أضاف أنه قام بعمل مقاربات في ثيمات الخطاب الشعري، حيث التقارب والاختلاف الذي يستمر بوضوح أكبر في الكيفية التي تناولها الشعراء بها في قصائدهم، والتي «تمظهرت بها اللغة الشعرية في أعمال عدد من الشعراء الذين ينتمون إلى أجيال مختلفة وينشغلون بقضايا متفاوتة».

  • غلاف كتاب «الفرح المختلس»
    غلاف كتاب «الفرح المختلس»

رهانات البازعي
وجاء كتاب البازعي في خمسة فصول (رهان الحداثة، رهان السياسة، رهان المأساة، رهان اللغة، رهان الترجمة)، وقدم قراءات مختلفة في رهاناته التي تطرق لها وتناول عدداً من الشعراء، وطرح في رهانه الأخير (الترجمة) العديد من الأسئلة وبعض الإشكاليات التي تتعرض لها «الترجمة» وخروج النص من روحه الشعرية، حيث يقول الشاعر الفرنسي إيف بونفوا «إننا لا نترجم الشعر، وإنما نترجم شيئاً آخر يقارب الشعر أو يسعى إليه وهو ليس بالضرورة متماهياً به». ويضيف البازعي أن تجربته في الترجمة الشعرية، متواضعة قياساً إلى تجارب كبيرة ومشهورة، كانت سعياً نحو المشترك.

رهان اللغة
وفي «رهان اللغة» كتب البازعي عن الشاعر حسن السبع: الازدواجية الآسرة قائلاً «مثل السبع أنموذجاً نادراً في المشهد الأدبي السعودي، من خلال أدبه الساخر وخفة ظله، وجمعه ذلك مع جدية واتساع في الرؤية عند تناول مختلف القضايا التي تعج بها المشاهد الثقافية بدوائرها ومستوياتها المتعددة»، وفي مقارنة بين المجموعات الشعرية التي أصدرها السبع يقول إن «تلك الروح الضاحكة كانت تتوارى كثيراً حين يمثُل العالم من زوايا أقل ابتساماً وأكثر انشغالاً بالألم ولوعات العشق والغياب».

قصائد أبريل
وعن المفارقات في قصائد أبريل كتب البازعي «كانت حالات الدهشة والاستغراب تتوالى بتوالي النصوص التي كنا ندرس، وبدرجة ما تضمنته من اختلاف ومخالفة لما اعتدنا عليه»، ويقارن البازعي ما بين ت. س. إليوت ومحمود درويش فيقول إن قصيدة إليوت «تختصر مأساة البشر المقيمين في الأرض اليباب، أرض الانهيارات المادية والمعنوية التي نتجت عن الحرب والدمار»، ويقول البازعي «من تلك الصور الباذخة في قصيدة درويش، وهي سوناته أيضاً كقصيدة شكسبير عن الصيف، صورة العشب على الحجر وهي تحمل قوة الربيع إذ يخرج، كما عند إليوت، الليلك من الأرض الميتة. لكنه هنا خروج مفرح لأنه لا جثث أو أناس كالجثث يتحدثون».ص