عزالدين بوركة

لقد دشنت دولة الإمارات العربية المتحدة تاريخاً عربياً جديداً، يتسم بروح يسودها السلام والتسامح، بعيداً عن أي دعوات للصراع والتطاحن، التي لا تقود إلى أي مخرج من أجل إحلال السلام في المنطقة. وعلى هَدْيِ هذه الخطوات السياسية الجسورة سارت دول عربية أخرى كانت آخرها المملكة المغربية، التي أعلنت استئناف العلاقات الدبلوماسية مع دولة إسرائيل، وتعزيز الاتصالات الرسمية الثنائية. وبهذه الخطوة تكون المنطقة العربية من الخليج إلى المحيط، ومنطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، قد بدأت عهداً جديداً يتأسس على المصالحة والتعايش المشترك. كأننا اليوم نقف عند ضرورة إقامة رؤية الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا عن «الصفح»، كمفهوم إنسانيّ نبيل يقود البشرية إلى التعايش وتخطي كل المآسي من أجل مجتمعات لا تسودها الكراهية. ولهذا سبق لهذا الفيلسوف أن أعلن أن دولة إسرائيل باتت حقيقة، إلا أن الأمر يستدعي «مراعاة كل شيء ولمصلحة أكبر عدد من الناس من الفلسطينيين، إلى الدول الأخرى في المنطقة، واعتبار ذلك التأسيس (...) كياناً لا يمكن الرجوع عنه من الآن فصاعداً، بشرط قيام علاقات مع دولة فلسطينية تتمتع بجميع حقوقها بأدق ما تعنيه كلمة دولة»، وهذا الموقف الأخير هو الذي تبنته كل من دولتيْ الإمارات والمغرب. إذ على إثر إعلان المغرب تعزيز العلاقات المتبادلة مع إسرائيل، ذكّر الملك محمد السادس بـ«المواقف الثابتة والمتوازنة للمملكة المغربية من القضية الفلسطينية»، مؤكداً أن المغرب يدعم حلاً قائماً على دولتين تعيشان جنباً إلى جنب في أمن وسلام، وأن «المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي تبقى هي السبيل الوحيد للوصول إلى حل نهائي ودائم وشامل لهذا الصراع».
والسؤال الفلسفي هنا: ما الذي يعنيه الصفح؟ إنه إعمال لأسمى الحالات الإنسانية وأكثرها نبلاً، باعتباره «أعلى من العفو والمسامحة والغفران» كما يذهب دريدا، ولكن ما محل هذا المفهوم الفلسفي، الذي خاض فيه فلاسفة كُثر أمثال حنة أرنت وجانكيليفتش وإدغار موران وبول ريكور، إلى جانب صاحب «الكتابة والاختلاف»، وغيرهم... في مقالنا هنا؟ أولاً، يتعين الإدراك بكون «الصفح» بهذا المعنى «فعلاً إنسانياً جديداً» إلى حد ما، فلا القانون الدولي -سابقاً- ولا الفلسفة السياسية الكلاسيكية، عموماً، يفسحان المجال لظهور هذا المفهوم، بل إنهما يكادان لا يعرفانه. ثانياً، وبكل بساطة عاشت شعوب هذه المنطقة لسنوات خلت معارك وحروباً طاحنة، وأزمات سياسية، لم تقم أي سلام ولم تُعد أي محاولة للتعايش. ولهذا يأتي «الصفح»، عن كل الماضي، اليوم باعتباره «إنهاءً لكل الشرور» بتعبير المفكرة - السياسية حنة أرنت، حيث يعد الصفح بالنسبة لها، صانعاً للتاريخ، وصانعاً للحياة ضد الانعزال في الماضي الذي يدمر العلاقات البشرية، ولا يجعلها مفتوحة على المستقبل. 

فعل إنساني
فالصفح مرتبط بالميلاد والولادة، بالتمكن من التكاثر، ولهذا هو «معجزة» حقيقية، وليس فعلاً (سماويّاً) فحسب، بل إنه فعل إنساني أيضاً (دنيوي)، ما يجعله أنبل قيمة إنسانية ممكنة. ومن هنا يمكن خلاصنا من الماضي الذي يطاردنا ويجعلنا لا نقيم أي إمكانية للسلام والتعايش المشترك، ومن هذا المنطلق بالتحديد أقرأ موقف الإمارات العربية المتحدة الحكيم وما تلاه من مواقف عربية آخرها المملكة المغربية، التي تسير على خطى إحلال السلام في المنطقة، لدحر كل أشكال الكراهية والعنف الثقافي وغيره. 

ذاكرة الأجيال
ولهذا يمكننا القول مع دريدا، إن الصفح pardon -كما يبين- شبيه بالهبة don، أي «إننا نعثر في أصل هذه الكلمة [الصفح] اللاتيني، وبكيفية أكثر تعقيداً (…) على إحالة إلى العطاء والهبة». إذ نتحدث عن donner (وهب/‏‏‏‏‏أعطى) وpar-donner -أي أصفح عن- (بالعطاء، بالهبة/‏‏‏‏‏ par= بِ)… أي أن هذا المصطلح يرتبط مع الهبة في الصفات، إذ إنه مطلق ولا مشروط، ولا يتطلب إعلان التوبة ودون مقابل. إلا أن الصفح لا يتم ولا يمكن ذلك إلا في ارتباطه بـ«ما لا يتقادم» imprescriptible، أي بما لا يقبل التقادم، وبعبارة أخرى، ما يقبل النسيان، أي ما يبقى في الذاكرة… ذاكرة الأجيال القادمة بالتحديد. ويأتي الصفح بصفته عفواً مطلقاً، غفراناً مطلقاً، ولا-مشروطاً وبلا مقابل. وهذا ما نقرؤه في قرار الإمارات العربية المتحدة وباقي الدول العربية، وآخرها المملكة المغربية.

التعايش في المغرب
ومن منطلق آخر، ومن زاوية نظر تاريخية وحضارية، يجب ألا نغفل عن كون المغرب كان لما يقارب 3000 سنة مضت، حسب بعض الدراسات، أرضاً تعايشت فيها ديانات وثقافات متعددة، كان لليهود نصيب مهم فيها، ولا تزال أعرافهم وثقافاتهم راسخة في الموروث المغربي. بل إن الدستور المغربي لسنة 2011، اعترف بالثقافة العبرية كرافد يغني المكونات الثقافية المغربية المنصهرة. وهذا يعزز اعترافه بالتعدد الثقافي المغربي والذي لا يمكن أن نفصله عن الجذور اليهودية التي استوطنت هذه الجغرافيا القصية منذ مئات السنين. 

وجود قديم
فالوجود اليهودي بالمغرب قديم قدم اليهودية، ويرجح عدد من الدراسات أن قدومهم إلى شمال أفريقيا جاء في أعقاب خراب الهيكل الأول في عام 586 ق.م، وتوالت بعد ذلك الهجرات، بينما يذهب اعتقاد آخر أن اليهودية انتشرت بين سكان المغرب الأوائل، وهذا ما تعززه بعض الدراسات الحديثة للمعلم الوراثي، بينما عززت الهجرات اللاحقة الوجود السكاني اليهودي في المغرب إبان سقوط الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر، التي جاءت بعد ظهور علامات النفي والترحيل والطرد لليهود والمسلمين من الأندلس في 1492 والبرتغال في 1497. وبالتالي لا يمكن أن نعزل المغرب عن ماضيه العبري، وما تلاه من تعايش بين المسلمين واليهود في ظل الحكم الإسلامي العربي لهذه الأرض الأطلسية، إذ كان عدد المغاربة اليهود في حدود 250 ألفاً عام 1940، وكان ذلك الرقم يمثل نسبة 10% من مجموع سكان البلاد، قبل بدء الهجرات نحو الخارج، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. 

روافد الهوية 
وما يجعل علاقة المغاربة بثقافتهم اليهودية، إلى جانب باقي الثقافات العربية الإسلامية والأمازيغية والإفريقية وحتى الرومانية... علاقة وطيدة تتأسس على تنوع حضاري سِمته التعدد الذي يغني هذا البلد الذي يعد بوابة أفريقيا وقنطرة لأوروبا لكل العابرين من الصحراء. ونجد مجموعة من الأغاني والأهازيج التي تغنى في الحفلات والأعراس المغربية لها جذور يهودية، بالإضافة لبعض الألبسة التي تنحدر من جذر حضاري يهودي -أمازيغي، تقاطعت مع الزي العربي الإسلامي، لتغدو علامة ثقافية مغربية لا تزال تعاصرنا.

بناء جسور السلام
وعودة على بدء، يبرز الدور البارز الذي لعبته دولة الإمارات العربية المتحدة، بجهود القيادة الرشيدة، من أجل إحلال السلم وبناء جسور التقارب والتعايش المشترك في المنطقة العربية الممتدة من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وذلك بإعمال ما بيناه من مفهوم إنساني سمته «الصفح»، لا يبتغي طيّ الماضي ونسيانه، ولكن مدّ اليد للتصافح (وليس من باب الصدفة أن يكون للصفح والتصافح نفس الجذر اللغوي)، والتقارب في أخوة تامة. وقد نجح الأمر بما يمكن تسميته بالخط العريض بـ«ملحمة المفاوضات الإماراتية»، التي أنعشت أمالنا للسلام، في ظل التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني طبعاً. وذلك باعتماد «رؤية فلسطينية جديدة»، في ظل المجتمع المدني الفلسطيني، تسير نحو التعايش، عبر إحداث حوار، كما يدعو إلى ذلك كل من الإمارات والمغرب، تحقيقاً لثوابت هذه القضية، وإنهاء لكل الصراعات، لبدء صفحة (من جذر الصفح أيضاً) جديدة لقيام دولة فلسطينية، في ظل ما نشهده من كتابة للتاريخ المعاصر على أيدي أبطاله قادة السلام في المنطقة.

* شاعر وباحث مغربي