عبد الوهاب العريض (الرياض)

«حريٌّ بي أن أكون أشهر من برج مدينتي المائل. فأنا الذي أدخلت أرقامكم العربية (الهندية الأصل) إلى أوروبا، وعانيت كثيراً لأني أصررتُ على استخدام (الصفر)، الذي طالما مقته قومي ورفضوه!». 
بهذه الكلمات يعرف الكاتب والروائي السعودي أشرف فقيه شخصية روايته الجديدة ليوناردو فيبوناتشي، التي صدرت مطلع سبتمبر الماضي بعنوان «رسمُ العدَم» عن منشورات تكوين في الكويت.

سرد تاريخي
وتناولت الرواية شخصية أثرت في التاريخ العالمي، وبحكم تخصص أشرف فقيه العلمي، فقد ذهب في محاولة لاكتشاف «الصفر» وما وراءه وكيف كانت تأثيراته العالمية، متتبعاً خيوط بدايته في الغرب، الذي حصل عليه من خلال البيزاوي ليوناردو فيبوناتشي (1175م - 1250م).
وقد جاء البناء الروائي أشبه بحالة من السرد التاريخي لتلك الشخصية التي صنعت التحولات في عالم الأرقام الأوروبي، وأضافت ما هو جديد لعالم الكنيسة التي كانت تحارب انتشار العلوم، وكانت تلك الحقبة التي تحدث عنها فقيه في روايته هي حقبة صراع الكنيسة مع العلوم، كما كانت مرحلة انتقال العلوم العربية للعالم الغربي من خلال المخطوطات.
وثمة العديد من الأعمال الروائية العالمية التي تحدثت كثيراً عن تلك الحقبة، وكانت تتناول صراع المعرفة، ومن النادر أن تأتي أعمال عربية تتناول تلك الحقبة الزمنية في أوروبا.

رواية علمية 
وقد تميزت الرواية بدخولها في عالم المتواليات الجبرية، وكانت من بين الروايات القليلة التي تعتمد على الأرقام في سردها وحواراتها. وحول الاهتمام بالرواية التاريخية قال أشرف فقيه: «بالتأكيد هي رواية تاريخية كونها تستحضر شخصيات معروفة من الماضي، وهي تُبنى كذلك على عقدة تاريخية مدهشة امتزج فيها الفلسفي بالسياسي. ولكني أعتبرها كذلك رواية علمية لأنها تستعرض مرحلة مهمة في رحلة الصفر». 
ويضيف أشرف: «لا أعتقد أن (رسم العدم) باستطرادها في شرح معادلات الدرجة الأولى وحلول المسائل الحسابية تستهوي القارئ غير المفتون بتاريخ العلوم، وبتطور المعرفة البشرية، وبالتداخل الحضاري الذي سمح للأرقام العربية بأن تعبر من الهند إلى أوروبا بواسطة جسر صنعه مفكرون وحكماء لا أقول كانوا عرباً، ولكن حملتهم الموجة المهيبة للحضارة العربية».

تاريخ  الظل
ويستطرد فقيه: أردت أن أقدم فصلاً من تاريخ حضارتنا العربية، أو من تاريخ الظل الذي ألقت به على أجزاء أخرى من العالم. وعلاقة التاريخ بالحاضر أُشبهها بالسرداب المتشعب أسفل البيت القائم، ويضيف قائلاً: «لا تدري أين سيلقي بك تيهك في تلك الأنفاق! سرداب الصفر أخرجني إلى بيزا القرن الثالث عشر. ولكن المدخل كان شخصية البطل: ليوناردو فيبوناتشي، الذي جعلَتهُ مدينة بجاية عربياً قدر ما هو أوروبي. أما البطل الثاني: الصفر، فهو هنا أيضاً عربي بامتياز. وهكذا نجد أن الهويات والحدود تتماهى كلما أوغلنا في سراديب التاريخ. فهذا الهزّ لنمطية الأشياء هو ما حرصت عليه في (رسم العدم) التي تأخذ بالقارئ إلى بيزا وإلى صقلية وبجاية وإشبيلية ودمشق والقدس».

صراعات متزامنة
ويقول فقيه، إنه انشغل بهذه الرواية برسم «الآخر» من منظور شرقي، إذ إن أحداث الرواية تتزامن مع البدايات الأولى لانزياح سحابة التفوّق الحضاري من جنوب المتوسط إلى شماله -من الشرق إلى الغرب بكلام آخر- وحصل ذلك في خضم تعايش قسري فرضته صراعات متزامنة (الحملات الصليبية وحروب «الاسترداد» في الأندلس وخروج العرب من صقلية). 
وحول علاقة أشرف بالصفر، قال: «بالنسبة لي هو نصف أبجدية المنطق. لقد كان الصفر هو آخر وأثمن أسرارنا التي اكتشفها الغرب قبل أن يتجاوزنا. وليست هناك فكرة رياضية مدهشة بقدر ما هو الصفر، بكل حمولاته وتفسيراته العلمية والفلسفية والدينية والميتافيزيقية».