الفاهم محمد

لقد بات واضحاً أن الوضع الكارثي الذي تعيشه الحضارة المعاصرة ينذر بانهيار شامل وغير مسبوق في التاريخ. فمنذ الثورة الصناعية لم يعد ينظر إلى التقدم الصناعي على أنه مسيرة مطمئنة، تنقل البشرية حثيثاً نحو الأفضل. واليوم يرتفع العديد من الأصوات ضد هذا الإفراط الجامح، في الاستهلاك المعمَّم لخيرات الأرض. كتب مثلاً الاقتصادي الفرنسي سيرج لاتوش سنة 2010 كتاباً تحت عنوان: «رهان اللاتنمية»، مشيراً فيه إلى أنه من المستحيل تعميم طريقة الحياة الغربية، على باقي سكان المعمورة، مما يتطلب بالضرورة التفكير في ابتكار نموذج جديد، للاستهلاك والإنتاج الاقتصادي، ومن ثمة للبناء الحضاري. وفي سنة 2019 ظهر له كتاب آخر تحت عنوان: «اللاتنمية» مؤكداً فيه أن هذه الأخيرة ستصبح هي الفن الجديد للتآلف مع الطبيعة. أما الاقتصادي الروماني نيكولاس جورجيسكو روجين، فقد دافع عما أصبح يعرف حالياً بالاقتصاد الإيكولوجي، وذلك في كتابه الصادر سنة 2006 تحت عنوان: «اللاتنمية: الأنثروبيا، الإيكولوجيا، الاقتصاد» ففي نظر هذا المفكر تتناقض أسطورة التنمية اللانهائية للاقتصاد، مع الموارد المحدودة للكوكب الأرضي.

  • سيرج لاتوش
    سيرج لاتوش

ظهر مفهوم اللاتنمية لأول مرة في التقرير الشهير الذي قدمه نادي روما سنة 1972، والشهير بتقرير ميدوز تحت عنوان حدود النمو Halte à la Growth، الذي دعا فيه إلى ضرورة العمل على تباطؤ النمو، قبل الوصول إلى نفاد الموارد الأولية. كما رسم هذا التقرير صورة قاتمة لمستقبل البشرية، منذراً بانهيار كلي للحضارة إذا لم نستطع تحقيق التوازن، بين النمو السكاني والطلب المتعاظم على الإنتاجية. 
 ورغم السجال الذي خلقه هذا التقرير، والاتهامات التي كيلت له باعتباره يحمل الدول «العالم ثالثية»، النتائج التي تسببت فيها الدول الصناعية المتطورة، إلا أنه كان مع ذلك أول صفعة حقيقية لمن يَغَطون في سبات أسطورة التقدم السعيدة.
 وهكذا فالتنمية الاقتصادية ليست بالضرورة مؤشراً على التطور الطبيعي للمجتمعات، ولذلك ينبغي في نظر هذه الأصوات، تخفيض الاستهلاك البشري، والتقليل من النشاطات الاقتصادية والصناعية، ولكن هل الدعوة إلى التراجع عن النمو، من الممكن أن تكون هي الحل لإصلاح الاختلالات التي تعاني منها حضارتنا؟ 
 كل الاقتصاديين يراهنون على الرفع من الناتج المحلي الإجمالي  ، فهو الذي يساهم في خلق مناصب الشغل، والرفع من الأسعار والدخول في مشاريع الإنماء والورشات الكبرى. لكن كل هذه الأمور من منظور المدافعين عن اللاتنمية، ليست مؤشراً على وجود وضع صحي للحضارة. إن الدليل الذي يقدمه هؤلاء المنظرون، هو أن رفع الناتج المحلي الإجمالي له تكلفة باهظة غير قابلة للتعويض، وهي الإنقاص التدريجي للموارد الحية، والتي ستقود حتماً إلى الانهيار الشامل للطبيعة. 
 وينبغي إذن أن تكون التنمية حذرة ومرنة، وأن تراعي قابلية الموارد الطبيعية للنفاد. وكما لاحظ الفيلسوف والاقتصادي الأميركي المعاصر كينيث بولدينج لا يمكننا أن نفكر في تنمية لامتناهية داخل كوكب أرضي متناهٍ. ويقول في جملة شهيرة: «إن الذي يعتقد أن التنمية يمكن أن تكون لامتناهية في عالم متناهٍ، هو إما مجنون أو اقتصادي». وإذن ينبغي الأخذ في عين الاعتبار محدودية الرأسمال الطبيعي، وضرورة الحفاظ عليه. إننا نتصرف حالياً كما لو أننا الكائنات الوحيدة الموجودة فوق الأرض، وهذا بطبيعة الحال غير صحيح. هناك الكثير من الكائنات الحية في البر والبحر، وهي جميعها من حقها العيش والبقاء فوق هذا الكوكب. 

المسؤولية اتجاه المستقبل
 هذا إضافة إلى أن نمط حياتنا لا يضع أيضاً في عين الاعتبار مستقبل الأجيال القادمة، التي إذا ما بقينا نسير على هذا النهج سنورثها كوكباً خراباً. لقد سبق للفيلسوف الألماني المعاصر هانس يوناص، أن طرح مفهوم المسؤولية كمبدأ أساسي ينبغي للإنسان المعاصر أن يتصرف باحترامه، حتى يضمن استمرارية الحياة فوق الأرض وحقوق الأجيال القادمة. 
 واحدة من الأصوات كذلك التي تقف في وجه السياسيين، من أجل دق ناقوس الخطر، بخصوص حقوق الطبيعة وأجيال المستقبل، الطفلة السويدية والناشطة البيئية غريتا تونبرغ، التي صرخت في وجه قادة العالم ضمن فعاليات الدورة الـ 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة: «لقد سرقتم أحلامي وطفولتي بكلماتكم الفارغة... الناس تعاني، الناس تموت، نظامنا البيئي سينهار بأكمله، نحن في بداية مخاطر الانقراض الجماعي، وأنتم كل ما يمكنكم التحدث عنه هو المال، وعن قصص الخيال بشأن النمو الاقتصادي الدائم». 

صعوبات
 إن التنمية الحقيقية إذن هي التي تراعي هذه الشروط والاقتضاءات الجديدة، وتعمل على تحسين نوعية الحياة والصحة العامة. ويؤكد سيرج لاتوش مثلاً أن الدول الفقيرة، عليها بطبيعة الحال التفكير في إنماء ذاتها، ولكن مع ضرورة تفادي تكرار النموذج الغربي في الإنتاج والاستهلاك. إن الوصول إلى الاقتصاد الإيكولوجي الذي دعا إليه نيكولاس جورجيسكو روجين، لا يمكن بلوغه ونحن ما زلنا نحافظ على نفس نمط العيش الاستهلاكي. ولذلك فطرق الترشيد التي نسلكها حالياً، لا تعدو أن تكون صرخة في وادٍ، لأن تأثيرها ضيق جداً، كما أن الطلب على البضائع والمنتجات في تزايد مستمر. 
 ورغم أهمية الأفكار التي يطرحها مفهوم اللاتنمية إلا أنه لم يلق شهرة كبيرة، فتأثيره يظل محدوداً لا يتعدى الحد من الضرر. وهذا الأمر يعزى لشيئين، الأول هو فشله في بناء الباراديغم الجديد للحضارة الذي وعد به. والثاني هو أن خفض النمو، نُظر إليه أحياناً كمفهوم غير بريء من الحمولة الإيديولوجية، حيث يرمي إلى الإبقاء على التبعية، وحرمان الدول الفقيرة من تحسين مستواها الاقتصادي والاجتماعي. ومع ذلك ينظر إلى حركات خفض النمو، على أنها الأسرع انتشاراً في أوروبا وأميركا، فالوعي يتزايد يوماً بعد يوم بخصوص محدودية الرأسمال الطبيعي، وعدم قابليته للاستدامة اللامتناهية، وأنه من الضروري التفكير في تجاوز الأزمة البيئية، تفادياً للانهيار الكلي للحضارة.