ترجمة: أثمار عباس

يعتبر طاليس الملطي أول فيلسوف يوناني عُرف في بحثه الأول عن أجوبة عقلانية للعالم الذي عاش فيه. استقى فلسفته من عدة مصادر، منها اطلع بشكل جيد على الثقافة اليونانية القديمة، حيث كانت تستند إلى الدين في شرح ظواهر الطبيعة وما وراء الطبيعة. قرأ أساطير العالم ومنها أسطورة الخلق البابلية، حيث تصف إنوما إليش، أن أصل الأرض الأولى هو المياه.

ظهرت في العصر الإغريقي القديم مدن في شبه الجزيرة اليونانية. وقد طور فيها الفلاسفة كتاباتهم المبنيّة على الأبجدية. ومن هنا يمكن أن نرى بوضوح نشأة بداية الفلسفة الغربية. وقد كانت الحضارات السابقة تَستند تماماً إلى الدين للإجابة عن أسئلة الناس حول العالم الذي يدور من حولهم. وقد برز نوع جديد من المفكرين حاولوا بدلاً من الأجوبة التي قدمها الدين، إيجاد إجابات منطقية، ويعتبر طاليس الملطي أول المفكرين العقلانيين ممن عُرف لدينا، وتكمن عظمته في أنه حاول أن يتوصل إلى تفسير علمي عقلاني للعالم الذي عاش فيه. ولم يتبق من كتاباته أي شيء يذكر، ولكننا نعلم أنه كان بارعاً في علوم الطبيعة وخاصة علم الفلك. وبدلاً من أن يقدم إجابات غامضة يصعب فهمها حول تغيرات الطبيعة وتقلباتها، قدم شرحاً علمياً عقلانياً مفصلاً لتلك الظواهر. ويقال، إن طاليس الملطي كان أول من توقع كسوف الشمس، وقد أخبر الناس بذلك قبل مجيء ظلام الشمس. ونظريته العلمية ومراقبته للطبيعة هي التي جعلته يتجه إلى أجوبة منطقية عقلانية حول تغيرات الطبيعة التي تحدث، ولم يكن يؤمن بأن هناك قوة خارقة لتكون سبباً لتلك التغيرات. وقد ساهم تفسيره العلمي في تأسيس أفكار العلم والمعرفة في العالم. 

المادة الأولى
وكان طاليس الملطي بحاجة إلى ترسيخ قاعدة ثابتة يمكنه الانطلاق منها بفلسفته، لكي يكون بوسعه الاشتغال ومواصلة العمل عليها. وهكذا مثل الكثير من فلاسفة الطبيعة استولى على تفكيره السؤال الأساسي: ما هي المادة الأساسية التي يتكون منها الكون؟ 
إن نقطة الانطلاق التي بدأ منها طاليس، وأتباعه، هي أن كل مادة في الكون يمكنها أن تتناقص أو تتزايد، يعود تكوينها إلى مادة أساسية، واحدة فقط: الأيونية. وكان طاليس وأتباعه أول من طرح هذه الفكرة في الفلسفة الغربية. يقول الملطي: إن المادة الأساسية التي يحتوي عليها الكون يجب أن تكون مادة يمكن أن يتشكل أو ويخلق منها شيء آخر، ينبغي أن تكون في حركة وتغير دائمين، وأن تكون ضرورية للحياة. وقد رأى أن اللبنة المشتركة بين جميع الكائنات الحية هي الماء، إن المياه تحمل كل هذه المواصفات وإنها على درجة كبيرة من الأهمية، وإن الماء وحده فقط من يقوم بالمحافظة على جميع أشكال الكون في البقاء على قيد الحياة. 

في البدء كان الماء
لقد جاءت نظرية طاليس هذه من خلال مراقباته للطبيعة بشكل عملي، فعندما راقب هطول المطر رأى أنه عندما تخترق المياه الأرض، تنمو النباتات ويتكاثر الزرع، ومن هنا توصل إلى تفسير علمي وهو أن جميع الكائنات الحية بطريقة أو بأخرى تحتاج إلى كمية معينة وثابتة من الماء لتكون قادرة على الاستمرار في الحياة. لقد توصل طاليس إلى حقيقة مفادها أن كل كائن حي، بغض النظر عن كيف يبدو شكله، يجب أن يحتوي على ماء. ولاحظ أن الماء يتحرك ويتغير ويتخذ أشكالاً عديدة، ابتداء من مادة سائلة أو صلبة، إلى ضباب، أو بخار إلى آخره. كما لاحظ أن الأرض تنتهي عند حافة المياه، واستنتج من هذا كله أن الأرض كلها عائمة على مياه، ولاحظ أن البحر عندما يصدر حركات وتموجات كبيرة يحصل عندنا هزات وزلازل في الأرض. 
ليست نظريات طاليس التي أعطته مكانة بارزة في تاريخ الفلسفة، وإنما تلك التفاصيل المثيرة للاهتمام لأفكاره. ومن خلال مساهماته وضع طاليس مع الفلاسفة اللاحقين من المدرسة الأيونية، أساساً للأفكار العلمية والفلسفة المستقبلية في العالم الغربي كله. 
ومن خلال مراقبة طاليس الملطي للطبيعة بشكل عملّي، وعبر ملاحظته لظروف الطقس والأحوال الجوية، توصل إلى استنتاج مفاده، إن المياه والمناخ المعتدل يساهمان في الحصول على حصاد جيد، وليس من خلال الدعاء إلى الآلهة الإغريقية الأسطورية، وإنما تنمو المحاصيل وتكبر عبر تساقط الأمطار. وفي إحدى السنوات نجح طاليس في زيادة إنتاج محصول الزيتون، حيث زرعه بكميات كبيرة إلى درجة أنه أصبح تاجراً كبيراً من جراء ذلك، واشترى جميع عصارات الزيتون في بلدته، وصار يؤجرها للآخرين، وهكذا جنى الكثير من الأموال والأرباح من وراء ذلك. 
(زيتون + مناخ معتدل = إنتاج كثير، وبالتالي ربح كبير). 

المعلم الأيوني
وعلى الرغم من أننا نعلم أن طاليس الملطي ولد وعاش حياته في مدينة ملطا (ميليتوس، تدعى الآن «بالاتا»)، التي تقع على الساحل التركي حالياً، إلا أننا لا نعرف عنه سوى القليل. لا نعلم إذا كان هناك عمل أو كتاب موجود من كتاباته، ولكننا نعلم أنه ترك وراءه سمعة كواحد من أهم المفكرين الأوائل في اليونان، بسبب عمله الشاق، الذي تم ذكره لدى أرسطوطاليس وديوجين، حيث تحدثا عن يومياتهما وحياتهما وحياة الفلاسفة اليونانيين الأوائل. 
وبشهادة نادرة من البعض، أو بالأحرى كما يقال إن طاليس الملطي لم يكن فيلسوفاً فقط، وإنما كان بارعاً في السياسة ورجل أعمال ناجحاً أيضاً. جمع بين الحكمة والعمل. وبالإضافة إلى ذلك كان ضليعاً في علوم الهندسة، والرياضيات، ويمكن أن نتصور كم سافر وتنقّل كثيراً حول مدن شرق البحر المتوسط، فعندما زار مصر تعلم هناك علم الهندسة الذي أصبح لاحقاً أساساً منطقياً لاستنتاجاته النهائية التي توصل إليها الفلاسفة الذين ظهروا من بعده. حيث ساهموا في تأسيس أفكار العلم والفلسفة في العالم الغربي كله. وعلى أي حال يتبيّن  لنا أن طاليس الملطي كان معلماً فترة من فترات حياته، وهو أول معلم في المدرسة الأيونية، وكان أحد طلابه يدعى أناكسيماندر الذي عمل ليكمل نظرية طاليس العلميّة، مما جعل طاليس يصبح مرشداً له، ثم لاحقاً أصبح أناكسيماندر معلماً أيضاً للشاب الصغير فيثاغورس.