لم يكن سهلاً أبداً الوصول إلى الكاتبة الهولندية ماريكا لوكاس رينفيلد التي صارت بين عشية وضحاها أشهر كاتبة في أوروبا كلها هذا العام، عقب الإعلان عن فوزها بجائزة البوكر البريطانية الشهيرة للعام الجاري 2020 عن روايتها «قلق الأمسيات»، في أواخر أغسطس الماضي. وقد حمل إعلان الفوز عدة مفاجآت؛ منها واحدة تخص عالمنا العربي؛ ومصر تحديداً، فقد كانت الترجمة العربية للرواية قد أُنجزت، وفي المراحل الأخيرة من طباعتها تمهيداً لطرحها في الأسواق، حينما دوَّى إعلان فوز الرواية بالجائزة المرموقة في العالم كله، وتكالبت عقود الترجمة على وكيل الكاتبة فكانت العربية من أسبق اللغات لترجمة هذه الرواية!
والمفاجأة الثانية أن هذه الرواية هي الرواية الأولى لصاحبتها! وثمة ظروف خاصة جداً صاحبت تأليف هذه الرواية هي دافع كتابتها أساساً، وصولاً إلى النجاح المذهل وغير المسبوق الذي حققته منذ طرحها وحتى إعلان فوزها بالبوكر 2020.

عن ماريكا لوكاس رينفيلد نتحدث؛ كاتبة هولندية شابة من مواليد العام 1991، هي أول كاتبة هولندية تفوز بجائزة البوكر العالمية، وأصغر من فاز بها في تاريخها (لم تتم ماريكا الثلاثين من عمرها بعد)!
و«قلق الأمسيات» هي روايتها الأولى، وتتميز لغتها بالتجريبية الشديدة، والشاعرية المحلقة «بحسب حيثيات التكريم والفوز في جوائز عدة»، وفازت الرواية أيضاً بجائزة «ليبريس» الأدبية الهولندية الرفيعة عام 2019، وفازت المؤلفة كذلك بجائزة أفضل ديوان شعري عام 2015 وهي «مانبلاد التشجيعية»، وفي عام 2016 نالت جائزة «سي بادينج» عن مجموعتها الشعرية ذاتها.
نشأت «رينفيلد» مع عائلتها في مزرعة في ريف هولندا، وقد أوضحت أن روايتها تلك -«قلق الأمسيات»- مأخوذة عن حادث حقيقي وقع لها عندما كانت في الثالثة من عمرها. وقد استغرقت ست سنوات في كتابة هذه الرواية، وإضافة إلى الكتابة، ما زالت «رينفيلد» تعمل في مزرعة ألبان.
وحتى لا تطول هذه المقدمة أكثر مما يجب دعونا نذهب مباشرة إلى ما تحدثت به الكاتبة الهولندية إلينا، ولا ننسى توجيه الشكر إلى محررة دار (العربي) ذات الهمة والدأب هدى فضل على تفضلها بالتطوع بترجمة الأسئلة والإجابات فلها منا كل التحية والقدير...

* «قلق الأمسيات»؛ روايتك الأولى.. وهي مأخوذة عن خبرة ذاتية أو ما يشبه السيرة الذاتية. هل هذا صحيح؟
- نعم. إن ما ألهمني لكتابة هذه الرواية هو عامل سيرة ذاتية في حياتي، وهو حادث وفاة أخي الكبير عندما كان في الحادية عشرة من عمره، وكنت أنا في الثالثة، كانت حادثة مفجعة ذات أثر كبير في حياتنا، وقد علمت دائماً أنني لو كتبت كتاباً، فستكون هذه هي نقطة البداية، وهكذا، فإن الرواية تنطلق من واقعة موت الأخ بالتأكيد، أما باقي الرواية فيختلف عن حياتي؛ لكن «الموت» هو النقطة المشتركة، كان عليّ أن أعمل بكد شديد لكي أكتب كل شخصية كما تصورتها وعشت معها وانفعلت بها.

* لمن لم يقرأ الرواية بعد ولم يطلع على ترجمتها العربية.. لو سألك عما تدور حوله «قلق الأمسيات». ماذا تقولين؟
- حسناً. تُحكى الرواية على لسان بطلتها وراويتها «ياس»، وهي تمثِّل منظوراً جديداً للعالم؛ فهي تنظر إليه بعيون طفلة في العاشرة من عمرها، اسمها يعني في الهولندية «معطف»، ومن النقاط الأساسية في الرواية أنها لا تريد أن تخلع معطفها أبداً؛ لأنه يمثل نوعاً من الحماية والوقاية الذاتية من شرور العالم الخارجي. 
وتستهل الرواية بالإعراب عن خوفها الشديد من أن يؤكل أرنبها الذي تصادقه وتحبه وتبوح له بأسرارها كلها، وتصلِّي «ياس» من أجل أن يحفظ الرب أرنبها ويظل باقياً على قيد الحياة حتى لو كان المقابل هو حياة أخيها! وستكون الفاجعة، سيموت أخوها.. وتبدأ الحكاية!

* بعيداً عن السؤال التقليدي المتكرر ما الذي يجمعك ببطلة روايتك «قلق الأمسيات»؟
- قال لي الناس إن «ياس» تشبهني، لكن ثمة دافع قوي آخر جعلني أقرر أن أكتب هذه الرواية؛ هو أنني أردت أن أكتب عن عائلة تنهار تدريجياً، وعما يتحوَّل إليه الأطفال عندما يغيب عنهم آباؤهم، عرفتُ دائماً أنني إن كتبت الرواية، فستكون نقطة البداية فيها هي موت الأخ الكبير، عندما يموت الأخ الكبير، يتبنى كل طفل من الأخوة رد فعل مختلفاً؛ تتقمص «هانا» -وهي الأخت الصغيرة- دور الأخت الكبيرة، وأحياناً حتى دور الأم.

  • الرواية في نسختها العربية (من المصدر)
    الرواية في نسختها العربية (من المصدر)

* يبدو أن تيمة/‏‏ موضوع الرواية مست وتراً حساساً لدى القارئ الهولندي خاصة والأوروبي عموماً الذي كانت استجابته للرواية مذهلة.. لماذا؟
- أقول ربما لمعالجة موضوع مهم ولا أحد يتحدث عنه، وهو: «كيف يستقبل الأطفال الموت؟»، و«كيف يتقبلون فكرة الحداد؟». ربما يعود سبب ردود أفعالهم العنيفة إلى أنهم لا يفهمون حقاً ما تعنيه خسارة شخص ما. جاءت «قلق الأمسيات» لتناقش روائياً رد فعل الأطفال العنيف ضد الفقد والموت، إن الكتابة بصوت طفل تعطي نوعاً أو إحساساً عميقاً بالأصالة في أصواتهم.
ربما كان من أجمل الأصداء التي وصلتني عنها ما سمعته بأذني «إن هذه ليست مثل تلك الروايات التي تجعلك تعود بظهرك للخلف لكي تستوعب ما حدث فيها للتوّ، بل هي رواية تجذبك داخلها لتصبح جزءاً من عالمها ما إن تقرأ أول كلمة فيها».
أو «أنها رواية لا تخجل من أن تذكر القسوة صراحة، ولكنها في الوقت نفسه قسوة مبررة؛ فهي تعرِّف القارئ على راوية لا تتبنى أسلوباً سردياً تقليدياً، يمكن اعتبار الرواية رواية أولى عن البراءة التي حطمها الحزن، وكيف تقدِّم لنا العزاء والذعر معاً».
إنه كتاب قاتم عن أطفال فقدوا أخاهم، وعن سقوط العائلة التدريجي في حالة سيئة من التجاهل والإهمال العاطفي؛ فيصبح الأخ الآخر قاسياً على الحيوانات ثم على أختيه.
 
* تتتبع الرواية أحاسيس بطلتها «ياس» وتصوراتها العمرية عما يدور حولها وتدخل بنا إلى ما يدور برأسها، فنتوحد معها كلياً، هل قصدت أن تكون عملية الاندماج هذه مقصودة بين القارئ والنص؟
- عند كتابتي للرواية، ظننت أن هذا الموضوع سيكون نقطة مهمة للغاية لكي أكتب عنها وأطورها؛ «ياس» هي الطفلة التي حملت ذلك الإحساس بالخزي الدائم وعدم الراحة والقلق؛ فهي قلقة بخصوص جسدها، وإيمانها، وعلاقاتها بالآخرين، ولهذا السبب أردتُ أن أستكشف ذلك المفهوم (مفهوم القلق)، وأن أرى كيف يفكر الأطفال، وكيف يتعاملون مع ذواتهم بدورهم.
يتجلى القلق طوال الوقت، لأن «ياس» تشعر به بسبب جسدها. واستخدمتُ «الأمسيات» في العنوان، لأن المساء هو الوقت الذي تفكر وتشعر فيه بالخزي، وهو أيضاً الوقت الذي تفكر فيه في كل شيء، وهو أيضاً شيء يحتاج المرء إلى أن يتعلم كيف يتعايش معه، وهو مهم لي شخصياً، لأنني لا أشعر بالراحة مع نفسي إلا في المساء.

* هل ثمة عوامل ملهمة أخرى غير حادث وفاة الأخ للدفع باتجاه تسجيل هذه الخبرة المؤلمة روائياً؟
- نعم. كان مصدر إلهامي هو كاتب هولندي اسمه «يان فولكرز»، وهو كاتب عظيم له تأثير كبير عليّ وعلى ما كتبت، لقد قلب حياتي رأساً على عقب عندما قرأت لغته، وأسلوبه، وصوره الاستعارية والبلاغية، يكتبُ «فولكرز» كثيراً عن الطبيعة، والجنس، والإيمان، وقد فكرتُ في أنني لو كتبت شيئاً شبيهاً بما كتب، فسأكون بذلك قد حققتُ شيئاً رائعاً.
كان «فولكرز» مصدر إلهام كبير في حياتي بلاشك، وأعلق صورته فوق مكتبي، وعندما أكتب شيئاً جيداً، أشعر وكأنه يبتسم لي، وحينها أفكر في أنني كتبتُ شيئاً أستحق الثناء عليه.

* ماريكا لوكاس رينفيلد بالأساس شاعرة، صدرت لها مجموعتان شعريتان قبل كتابتها روايتها الأولى «قلق الأمسيات»، حدثينا عن تجربتك في كتابة الشعر؟
- بدأتُ ترصُّد خطواتي الأولى في الكتابة مع الشعر، كنت متأثرة في عملي بالجيل القديم من الشعراء، وكذلك بالجيل الحديث منهم، وكذلك تأثرت كثيراً بالشاعرة «آنا إينكويست»، قرأت لها قصيدة عندما كنت في الثامنة عشرة، كانت معلقة على جدار العيادة التي كنت أرتادها لكي أعالج اضطرابات النطق عندي. وهي تكتب في شعرها عن الحزن والأسي، وعن الطبيعة، وعن النفس البشرية. شعرت أن في شعرها بصيرة وجمالاً؛ ولذلك أردتُ أن أكتب مثلها، وهكذا بدأت في قراءة الشعر، وكتابته؛ وتأثرت كثيراً بالشعراء الشباب، لأنهم يكتبون أكثر عن حياتهم وعن البيئة التي نشأوا فيها.

* وكيف حدث التحول. كيف جرى الانتقال من آفاق الشعر وتهاويمه وصوره إلى الرواية بحشد تفاصيلها وبنائها وتخطيطها المحكم؟
- ظللت أعمل على كتابة هذه الرواية لست سنوات كاملة، ولكني كنت بدأت خبرة الكتابة بمجموعة شعرية خاصة. واستخدمت المضمون نفسه والصور نفسها التي استخدمتها في شعري. استغرقني الأمر طويلاً للغاية لأنني لم أعرف حقاً الشكل المفروض أن أتبعه للرواية، ولهذا كتبتها في شكل قصيدة مرسلة طويلة في البداية.
وهكذا بنيت الرواية باستخدام القصائد (البعض يمكن أن يعتبر أن الرواية كلها كانت في الأصل قصيدة طويلة للغاية)، وقد تطورتُ ككاتبة من خلال هذا وهو ما أخذ مني وقتاً طويلاً أيضاً، لقد استوعبت حقيقة أن الرواية لون معقد جداً من الأدب.

* أخيراً.. كيف كان شعورك عقب فوزك بالبوكر وبالنجاح الذي حققته الرواية عموماً؟
- أنا سعيدة للغاية لأنني فزت بالبوكر، وحتى الآن أنا لا أصدق أن هذا قد حدث، حصلت الرواية على عدة جوائز في هولندا، وأصبحت من الأعلى مبيعاً هنا. حصلت على جائزة العمل الأول في هولندا، وترشحت للجائزة الهولندية الأدبية الرفيعة «جائزة ليبريس» عام 2019، ورغم ذلك كله، فما زلت حتى الآن لا أصدق بأنني فزت!