إبراهيم الملا (الشارقة) 

أصدر الشاعر والباحث محمد عبدالله نور الدين في الدورة الحالية من معرض الشارقة الدولي للكتاب، مؤلفه الجديد: «جويهر بن عبود الصايغ – سيرته وأشعاره» ضمن منشورات معهد الشارقة للتراث، وذلك بمناسبة مرور 150 عاماً على وفاة الشاعر ذي الحضور اللامع في ذاكرة القصيدة الإماراتية، والذي تناقل الناس أخباره وقصائده عبر الأزمان، وحفظت ذاكرة الرواة سيرته الغنية على مرّ السنين، في دلالة واضحة على أهمية الشاعر وعلى قيمة تأثيره الإبداعي في السرديات الشفهية بالمكان.
ويشير الدكتور عبدالعزيز المسلّم -رئيس معهد الشارقة للتراث- في تقديمه للكتاب، إلى أن مثل هذه الإصدارات الرصينة والملهمة ترسم طريقاً واضحاً للثقافة الشعبية، لأنها تحتوي على المعارف، وتلج القلب دون تكلّف، وبذلك تترسّخ مبادئ الهويّة الوطنية، وتتنامى في الروح والوجدان، تحقيقاً لشعار معهد الشارقة للتراث «نصون التراث.. نحفظ الهويّة». 

نبوغ شعري
وللتعرّف على محتويات الكتاب، ودوافع إصداره، وفضائه البحثي، التقت «الاتحاد» في المعرض بمؤلف الكتاب محمد نور الدين، الذي أشار بداية إلى أن شخصية الشاعر جويهر الصايغ تتمتع بسمات وميزات تغري أي باحث في مجال الثقافة الشعبية على ملاحقة واستقصاء التفاصيل والحيثيات التاريخية والمجتمعية التي أسست لنبوغه الشعري، ولصيته الممتد على مدار السنين وفي مختلف مناطق دولة الإمارات، وأبدى نور الدين استغرابه من ندرة البحوث والدراسات الموثّقة لسيرة وأشعار جويهر الصايغ، رغم الوفرة الهائلة من المرويات الشفهية المتداولة لقصائده ولمحطات حياته الزاخرة بالقصص والحكايات والتحولات المدهشة على المستويين الشخصي والسوسيولوجي.

  • محمد نور الدين
    محمد نور الدين

وذكر نور الدين أنه اعتمد في كتابه على القصائد المتوفرة لدى حمد بوشهاب والباحث الدكتور حمّاد الخاطري، كما اعتمد على القصائد والمرويات غير المدوّنة التي سمعها من الرواة وكبار السن، حيث قام لاحقاً بتحقيقها وتدوينها وشرح معانيها، ثم ثبتها في القسم الثاني للكتاب، بينما قدّم القسم الأول من الكتاب إضاءات على السيرة الذاتية للشاعر والعوامل التي أسّست لنبوغه الشعري، إضافة إلى المحطات الحياتية، والمواقف الاجتماعية المؤثرة بقوة على مواضيع قصائده، بكل ما تحمله هذه القصائد من أبعاد إنسانية، ومكامن روحية، عزّزتها أسفار الشاعر ومغامراته وتجاوزه للكثير من العوائق المعنوية والملموسة، والتي غذّت في النهاية موهبته الشعرية، وصنعت منه قامة أدبية، تم إهمالها لفترة طويلة لأسباب مجهولة، متمنيّاً أن يعوّض هذا الكتاب جانباً من القصور البحثي تجاه (الصايغ) وما قدّمه من نتاجات ثرية وعطاءات نوعية ساهمت في تطوير المسار الشعري بالدولة.
وأوضح نور الدين أن الشاعر جويهر الصايغ ولد في بدايات القرن التاسع عشر، وتوفي في زمن الشيخ زايد الكبير، وأنه تربّى في كنف الشيخ محمد بن حمد الشامسي بالمناطق الواقعة بين العين وأبوظبي، ثم انتقل بعد رحيل الشيخ محمد إلى جزيرة أبوظبي قبل عام 1850م، وكان مقرّباً من الشيخ خليفة بن شخبوط حاكم أبوظبي حينذاك، وله ردود ومساجلات كثيرة حفظها الرواة، دارت بينه وبين الشيخ خليفة.

حياة جويهر الصايغ
واستطرد نور الدين قائلاً: «جمعت من الرواة ما يقارب الثلاثين قصيدة، ودوّنت القصص المتعلقة بأبرز المواقف في حياة جويهر الصايغ، وذكرتها بالتفصيل، وعلّقت على محتويات القصص والأشعار التي قيلت بسببها، مع التدقيق في الروايات المتضاربة، والقصائد المنسوبة لشعراء آخرين، مثل الشاعر سعيد بن عتيج الهاملي وغيره، ممن اختلطت قصائدهم بقصائد جويهر، فكان لابد لي من فرزها والتأكد من قائلها، والوصول لأكثر الروايات منطقية واتساقاً مع الظروف التاريخية والاجتماعية التي عاصرها الشاعر».
وتمنى نور الدين في ختام حديثه أن يلتفت كتاب الدراما والسينما في الإمارات لسيرة هذا الشاعر الاستثنائي، نظراً لما تحتويه سيرته من حكايات لافتة، وتحديات صعبة، ومواقف مشوّقة، تختلف فيها أشكال الصراع الذاتي ضد بعض التوجهات السلبية في زمن الشاعر مثل الطبقية والتمييز، إضافة إلى ما تضمنه شعر جويهر وغزلياته من تفاصيل دقيقة تشرح التفاصيل المكانية في الماضي، وتقدّم وصفاً رائعاً لجماليات البيئة الإماراتية القديمة، وهي قصص وقصائد -كما أشار نور الدين- تعبّر بصدق عن الإشكالات الوجودية التي واجهها الشاعر شخصياً في مغامراته العاطفية المتوفرة على حوارات مستفيضة، وسيناريوهات بصرية، وحبكة درامية ذات أبعاد تراجيدية، تشرح حيثيات الصراع بين الطموح الذاتي والضغط الاجتماعي.