ترجمة عبد السلام بنعبد العالي

بمناسبة ذكرى وفاة الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز (4 نوفمبر 1995)، ننقل هنا رسالة كان دولوز قد وجهها إلى م. كريسول الذي ألف عنه كتاباً*. وفيما يلي نص الرسالة، التي يتحدث فيها عن بعض رؤاه الفلسفية، وقراءته المغايرة لكثير من نظريات الفلاسفة، وموقفه من التفلسف كنشاط وكفكرة، بل من تاريخ الفلسفة نفسه.

أنتمي إلى جيلٍ، إلى أحد آخر الأجيال التي أُنهِكت تاريخاً للفلسفة. يمارسُ تاريخ الفلسفة على الفلسفة دوراً قمعياً لا يحتاج إلى دليل، إنه بحق الأوديب الخاص بالفلسفة: «لن تبلغ بك الجرأة أن تتكلم باسمك، ما لم تقرأ هذا وذاك، وما كتبه ذاك عن هذا، وهذا عن ذاك». في جيلي، كثيرون لم يستطيعوا أن يخرجوا من هذا الأمر سالمين، وآخَرون تمكّنوا من ذلك بابتكار طرقهم الخاصة وإبداعهم قواعد جديدة، ونبرة جديدة. 

ضد الهيجلية
أما أنا فقد «مارست» لمدة طويلة تاريخ الفلسفة، وقرأت كتباً عن هذا المؤلِّف أو ذاك. إلاّ أنني كنت أتيح لنفسي فرص التعويض بطرق متنوعة: بدءاً، كنتُ أكنُّ المحبة لمؤلفين كانوا يعارضون التقليد العقلاني في ذلك التاريخ (فبين لوكريس وهيوم وسبينوزا ونيتشه، يبدو لي أن هناك رابطة خفية تتكون من نقد السلب، وتمجيد الغبطة، والنفور من الدخائل، والإيمان ببرانيّة القوى والعلائق، وفضح السُّلط... الخ). 
وما كنت أناصبه العداء قبل أيّ  شيء، هو النزعة الهيجلية والجدل. 

كتاب عن عدوٍّ
أما كتابي عن كانط، فشأنه مختلف، فأنا راضٍ عنه، ألّفته كما لو كان كتاباً عن عدوٍّ. كنت أحاول أن أبيِّن   كيف يشتغل، وما هي دواليبه -مَحكمة العقل، الاستخدام المضبوط للمَلَكات، إنه خضوع هو من النفاق بحيث أُسندت إلينا صفة المشرّع. لكن الأهمّ هو أن طريقتي للخلاص وقتئذ كانت، على ما أظن، أن أفهم تاريخ الفلسفة كنوع من الإتيان الماكر أو الحمل النظيف. كنت أتصور أنني سأجعل مؤلفاً ينجب مولوداً يكون ابنه ولكنه يكون مشوّه الخِلقة بالرغم من ذلك. لابدّ وأن يكون ابنَه، هذا أمرٌ بالغ الأهمية، لأن المؤلِّف ينبغي أن يقول حقاً ما كنت أجعله يقوله. ولكنّ كون المولود مشوَّه الخِلقة، فهذا أيضاً أمر ضروري كذلك، لأنه كان ينبغي المرور عبر مختلف أشكال الإزاحة عن المركز، والنزوح والكسر، وهذه تأثيرات خفية كانت تروقني. 

معاناة برغسون
كتابي حول برغسون في نظري كتاب نموذجي في هذا النوع من الكتب. ويأتي اليوم من يسخر آخذاً عليّ كوني كتبت حتى عن برغسون. إن هؤلاء لا دراية لهم بالتاريخ. وهم لا يعلمون ما عاناه برغسون في البداية من حقد داخل الجامعة الفرنسية، وكيف شكّل نقطة التقاء بين مختلف أنواع المجنونين والمهمَّشين، سواء أكانوا أقرب إلى المجتمع أم لا، وسواء رغماً عنه أم لا، الأمر لا يهمّ.

«أنا» نيتشه
إنه نيتشه، الذي قرأته فيما بعد، هو الذي أخرجني من هذه الورطة. لأنه لا يمكن أن يعامَل هو كذلك مثل هذه المعاملة.. إنه يغرس فيك ميلاً لا يخلو من انحراف (لم يستطع لا ماركس ولا فرويد أن يغرساه في أحد، العكس هو الصحيح): إنه الميل لأن يقول كلٌّ منا باسمه الخاص أشياء بسيطة، أن يتكلم عن طريق الانفعالات والشدة والخبرات والتجريب. أن تقول شيئاً باسمك الخاص، هذا أمر نادر. لأنه ليس حينما تحس أنك «أنا»، أنك شخص أو ذات فاعلة، هو، على الإطلاق، الوقت الذي تتكلم فيه باسمك. 

عكس النجومية
بالعكس، يكتسب الفرد اسماً خاصاً بحق، عقب تمرين شاقّ، صارم، كي يتحرر من شخصه، وينفتح على التعدّد الذي يخترقه من كل ناحية، وعلى عناصر الشدة التي تسري فيه. الاسم كإدراك لحظي لهذا التعدّد في شدته هو النقيض المقابل للتحرر من الشخصية، الذي يقوم به تاريخ الفلسفة. هناك يكون التحرر من الشخصية محبة وليس خضوعاً. ويتم الكلام انطلاقاً من أعماق ما لا نعرفه، انطلاقاً من عدم نضجنا الخاص. آنئذ نغدو جُماعاً لتفردات متحررة، جُماعاً لأسماء، وصِفات، وأشياء، وحيوانات، وأحداث صغيرة: نغدو متحركين عكس النجومية! 

منطق المعنى
شرعت إذاً بتأليف كتابين على هذا المنوال، «الاختلاف والتكرار» و«منطق المعنى». لست واهماً بهذا الصدد: فالكتابان ليسا بعيدين كثيراً عن المنظومة الجامعية، فهما مثقلان معرفةً، إلا أن هناك شيئاً أحاول أن أخلخله، وأزحزحه في نفسي، وأن أعامل الكتابة كتيار متدفّق وليس مطلقاً كقواعد مسنونة. هناك صفحات أحبها في الاختلاف والتكرار، تلك المتعلقة بالعياء والتأمل على سبيل المثال، لأنها نابعة من المعيش الحيوي رغم ما يبدو في الظاهر. لم أكن قد ذهبت بعيداً، إلا أنني ابتدأت.

مع «غاتاري»
ثم كان لقائي مع فيليكس غاتاري، والطريقة التي تفاهمنا بها، وتكاملنا، وتحرّر بها كل منا من شخصه بفعل الآخر، وحقق كل منا للآخر تفرده، ومجمل القول، فتلك الطريقة التي تحاببنا بها. وتمخّض كل هذا عن كتاب «ضد-أوديب»، وكان خطوة جديدة إلى الأمام. أتساءل عما إذا كان أحد أسباب العداء الذي ظهر في بعض الأحيان حيال هذا الكتاب، كونه كتاباً بيدين، لأن الناس يعشقون الخصامات والغمز واللمز. وحينها يسعون إلى أن يعزلوا ما لا يقبل العزل، فيعيّنوا ما يعود لكل واحد منا على حدة. ولكن، بما أن كل واحد هو بعدُ كثرةٌ، فسنكون أمام جمْع غفير. 

«ضد-أوديب» والفلسفة الپوپ
ليس من شك أننا لا يمكن أن ندّعي أن كتاب «ضد-أوديب» قد تخلص من جهاز المعرفة ومنظومتها: فهو ما زال يحمل سمات الطابع الجامعي، وينطوي على حدّ معيّن من التعقل، فلم يعمل على تحقيق الحلم بالفلسفة الپوپ، أو التحليل الپوپ المنشودين. إلا أنّ أمراً أثار انتباهي، فأولئك الذين لاقوا صعوبة في هذا الكتاب هم الذين يحظون بقدر كبير من المعرفة، والمعرفة التحليلية على الخصوص. فقد تساءلوا: ما المقصود بـ«الجسم من غير أعضاء»؟ وماذا تعني «الآلات الراغبة»؟ وعلى عكس هؤلاء، فإن من لا يتوفرون إلا على نزر يسير من المعرفة، أي أولئك الذين لم يُتخموا بمعارف التحليل النفسي، يواجهون صعوبات أقل من هذه، فيدَعُون جانباً ما لم يستوعبوه. 

كتاب حول الكتاب!
ولهذا السبب قلنا: إن هذا الكتاب يتوجه مبدئياً إلى من تتراوح أعمارهم بين 15 و20 سنة. لأن هناك طريقتين لقراءة كتاب: فإما أن ننظر إليه على أنه صندوق يحيل إلى داخل، وحينئذ سنعمل على البحث عن المدلولات، ثم إذا كنا أكثر سوءاً أو غشاً، نخوض في البحث عن الدوال. ونعامل الكتاب اللاحق مثل صندوق يتضمنه الصندوق السابق أو هو متضمِّن له بدوره. فنسهب في التعليقات والتأويلات، ونطالب بالتفسيرات والتعليلات، فنكتب كتاباً حول الكتاب إلى ما لا نهاية له! 

آلة لا-دالة
أما الكيفية الأخرى للقراءة: فهي تعتبر الكتاب آلة صغرى لا-دالة، المشكل الوحيد الذي يطرح هو «هل تعمل؟ وكيف تعمل؟ كيف تعمل بالنسبة إليك؟» إذا لم تعمل، إذا لم يمرّ شيء، فلْتتناول كتاباً آخر. هذه القراءة المغايرة هي قراءة تركز على الشدّة، فإمّا أن يمرّ التيّار أو لا يمرّ، وليس هناك ما ينبغي تفسيره أو فهمه أو تأويله. فالأمر مثل الوصْل الكهربائي.

* رسالة إلى كريسول، في ميشل كريسول - دولوز، المنشورات الجامعية، باريس، 1973، الصفحات. 110-114. 
 «Lettre à Cressole»، in Michel Cressole Deleuze، Editons Universitaires، Paris، 1973، pp. 110-114.