نوف الموسى (دبي)

كنتُ مغمورة بقطعة الفحم التي استخدمها المصور الفوتوغرافي عمّار العطار، لرسم شكل دائرة على جدار وبشكل متواصل، حتى تنتهي وتتلاشى القطعة الفحمية، موثقاً التجربة الحيّة بفيديو مسجل، يَطلع عليها الزائر لاستوديو عمار في منطقة الفنون بمدينة الشارقة، كصور مستقطعة من التجربة ومعلقة على جدران الاستوديو، هناك حيث قام المصور بإجراء بحوث فكرية وفلسفية للتعرف على أهم وأبرز الفنانين العالميين، من قدموا تجارب لـ«فن الأداء» في عوالم الفنون، ومن بينهم في فترة الثمانينيات الفنان الإماراتي حسن شريف، إلا أن السؤال الجوهري لـ«الاتحاد» في الحوار، جاء حول أبعاد التجربة الفنية للفنان عمّار العطار، من مصور توثيقي للحياة اليومية، عُرف بمشروعات مهمة، مثل «المصليات» و«عكس الزمان» و«ماء سبيل»، ومؤخراً «المالد»، إلى مؤدٍّ فني داخل العمل، فقال عمار: «أردت أن أُنشئ حركة داخل العمل الفني وأوثقها، حالة أدائية ذات منحى فلسفي، تطرح أسئلة إنسانية، وتتيح للمتلقي أن يفتح احتمالات لا نهائية حول الإجابة، عبر حالة من التمعن في العمل الفني». 

عفوية الرياح
في منطقة الذيد بإمارة الشارقة، استخدم العطار فضاء لـ«حوض» فارغ، كان يستخدمه المزارعون لسقاية الأشجار والزرع، من خلال تثبيت قماش أسود بطول 300 متر، مشكلاً تداخلاً بين حركة القماش على جهتي الحوض، موثقاً أداءه داخل العمل بجانب مصور فوتوغرافي آخر، تعاون معه لإنجاز العمل، سألته وقتها عن حركة «الرياح» الواضحة في الصور التوثيقية للعمل نفسه، فأطلعنا بأنها العنصر العفوي الحاضر بانسيابية دون تخطيط مسبق، مشكلاً حالته المتفردة التي قد تشبه حياتنا بين ما نقرر فعله وبين ما تقرره الحياة أحياناً في تفاعلها معنا.. ما يعود بنا إلى أبرز الفنانين في ما يسمى بـ «Performance art» الذين اطلع عليهم عمّار، والتساؤل مثلاً عن علاقتهم ومستوى تأثيرهم في بحثه الجديد، مثل السنغافوري لي وين، عندما خرج للشارع ملطخاً جسده بالكامل باللون الأصفر، وهنا دلالة اللون وعلاقته بالمعتقدات المجتمعية، والبحث لإظهار الطبيعة الفعلية للبشر، أو مفهوم العزلة أو الانعزال لدى الألماني جوزيف بويس، وصولاً كذلك إلى الفنانة مارينا أبراموفيتش، التي يكتب الفنان عمار ملاحظات صغيرة حول أعمالها بأنها تعطي الجمهور الفرصة للتفاعل مع الفنان بطرق خطرة، تظهر طبيعة البشر الكامنة. 
اللافت في تجربة العطار، هي حالة التوثيق نفسها لمسارات أعماله الجديدة، فهو في الأساس مصور فوتوغرافي قرر الدخول إلى داخل الإطار المشهدي للعمل. ويقول: تفرد تجربة «فن الأداء»، يكمن في أنه يحصل في اللحظة نفسها، ومن ثم ينتهي، إلا في حالة تصويره وتسجيله والكتابة عنه، فهو ما يبقيه بشكل ما، ويتيح فرصة اكتشافه، فهو كمصور يعمد أحياناً إلى تجهيز وضعية الكاميرا بحكم خلفيته الفنية، وأحياناً يطلب مساعدة مختص، إلا أن رؤيته البصرية لإخراج العمل، تعنيه في كل الحالات.