ماذا يعني أن نعيش تجربة فردية في الفضاء العام؟! هكذا يكون السؤال موضوعياً نوعاً ما، ولكنه سيبقى ناقصاً، طالما أنك اكتفيت بقراءة السؤال على نفسك، دونما تجربة حسية تُقدر بشيء من اكتمال التصور لديك، وهو ما يتطلبه العمل الفني «مقطوعة في حديقة عامة» للفنان حسن خان، المُقدم في مركز جميل للفنون بمدينة دبي، في اللقاء الأول للفنان بـ«الاتحاد»، أسهب في وصفه لمدى إمكانية أن يسمع الأشخاص شيئاً ما، في مكانٍ عام، ويتواصلون معه بشدة، دونما تماهٍ كامل، أي أنهم لا يمتلكون مضمون الصوت، ورغم ذلك يؤثر عليهم بشيء ما، ووصف ذلك بدقة أكثر قائلاً يشعرون بشيء من «الارتباط» معه. 

الزمن الأفقي
أما اللقاء الثاني من أمام الباحة العامة لحديقة المركز، فإن العمل بدأ يتكشف على نفسه عبر 3 حركات لعناصر تجمع الموسيقى والنص المقروء من رجل وامرأة عبر ثلاث لغات مختلفة العربية والإنجليزية والأوردو، والمُدهش بالنسبة للزائر هو ذلك الزمن الأفقي لحالة العمل الفني بمعنى أن كل شيء يحصل في الوقت نفسه «الآن»، على غير عهد الموسيقى المبنية على تراتيب زمنية لها بداية ونهاية، وكأن المقطوعة في الحديقة العامة، تسرد حس اللانهاية في «الحقيقة» تلك التي أخبر عنها النص بروحٍ أدبية في الحركة الأولى بعنوان «الركود والبهاء» فيها يستمع الزائر إلى صوت رجلٍ يقرأ بعفوية تامة: «أنا لستُ ضائعاً لأنَّ لا أحدَ ضائعٌ في الحقيقة». 

الجوهرة الدوّارة
في حديقة «جميل للفنون»، تمشي بين المكبرات الصوتية، لا تشعر بأنها مصدر للصوت، فجأة تتلاشى تلك الأعمدة والصناديق، يتحول الأمر إلى موجة عامة، والدليل عندما تسقط ورقة صفراء من أشجار الحديقة بينما الزائر يمشي، على هضبة صغيرة للوصول إلى الحركة الثانية للعمل الفني بعنوان «الجوهرة الدوّارة»، يحاول أن يربط بينها وبين أن يسرده النص «نَعَم، مَضَى وَقتٌ طويلٌ وأنا أجْلسُ في انتِظارِ حدوثِ أمرٍ ما». وتحدث الفنان حسن عن مسألة أن يقف شخص ما في محطة قطار أو سوق، ويتخيل تجسيده لعلاقة تربطه بأصوات أفراد من حوله، مع اختلاف تجاربهم وموقعهم في النسق الاجتماعي، هو يطرحها عبر تجربة حسية للفرد من خلال اكتشافه لمضمون العمل الفني، والمحاولة لتأطير طبيعية تلك التجارب لا تقدم إجابة مباشرة ومحددة، بل هي طوال الوقت قابلة للتحول والتغير، فهناك دائماً مسافة، تتيح للزائر احتمالات عديدة.

جاءت الحركة الثالثة «لا رومانسيّة سياسيّة»، في طريقتها للاستماع إلى صوت الأحداث التاريخية، كما أشار إليها الفنان حسن خان، المرتكزة على المحاولة لتغيير الأوضاع التاريخية وهزيمة هذه المحاولات في الوقت نفسه، وربما السؤال حول قدرة تلك المساحة الموسيقية، التي صنعها الفنان في هالة العمل ككل، وكيف بمقدورها أن تحمل صوتاً. تقنياً، أوضح الفنان حسن، التوزيع البديع للآلات المختلفة على الأجزاء الثلاثة، ففي الجزء الأول اعتمدت الحركة على نحاسيات وبيانو ومزمار، وفي الجزء الثاني عود وقانون ورق وإلكترونيات، أما الجزء الثالث فتضمن الآلات الوترية والتصفيق، يسمها الفنان عملاً فنياً استخدم أدوات مرتبطة بفنون مختلفة غير بصرية، موسيقية وأدبية.

فضاء الوعي
عندما تنتهي من تجربتك عبر مقطوعة حديقة عامة، ربما ستسأل: هل إذا ما تمت إزالة العمل الفني، سيفقد الزائر تجربته في الحديقة، أم سيبقى الأمر متجذراً نوعاً ما في فضاء الوعي، وهو أمرٌ يحسب للمركز، جمالية الارتباط بالمكان عبر التجربة، فالشخص يذهب لأعمق مجازفة ليُحدث اتصالاً ما مع محيطه، ومن هنا جاء سؤال أيضاً للفنان خان: هل هناك صمتٌ في الفضاء العام لتجربة العمل الفني، معتبراً أن الصمت في عمله الفني يتخذ معنى مغايراً، وهو أن كل حركة من المقطوعة حجمها الزمني مختلف، وهذا يجعلها تتجاوز مسألة الرتابة، وهو ما يجعلنا نرى في الوقت نفسه كيف أن كل وحدة من الأجزاء تعيد خلق علاقتها مع الأخرى، وكأنها تنتج موسيقى جديدة، من نفس العناصر المستخدمة في كل جزء. 

  • الجانب التفاعلي للجمهور إبان افتتاح عمل الفنان حسن خان في مركز جميل للفنون بدبي في عام 2019
    الجانب التفاعلي للجمهور إبان افتتاح عمل الفنان حسن خان في مركز جميل للفنون بدبي في عام 2019

جائزة الأسد الفضّي
حاز العمل «مقطوعة لحديقة عامة»، جائزة الأسد الفضّي في بينالي البندقية 2017، وهو عمل فني موسيقي تم تأليفه لتجربته التحرك عبر الفراغ، وتم عرض العمل في أماكن عامة في باريس وفينيسيا والإمارات هي المحطة الثالثة للعمل الفني.