في تقارب بين علم النفس والأركيولوجيا والفن يشتغل الفنان التشكيلي الإماراتي المعاصر محمد أحمد إبراهيم، على مختلف أسندته وأعماله البصرية التي تتراوح بين الصباغية والتركيبية والإنشائية والإقلالية.. أعمال تسعى إلى الهروب نحو التجديد المستمر، محملة بحساسية فنية مغايرة، حساسية مفرطة في جِدّتها. فهذا الفنان المخلص لمدينته خورفكان وفضاءاتها الشاسعة، على الساحل الشرقي للإمارات، استطاع أن يوظف طبيعتها الإماراتية لصالح اشتغاله البصري، سواء عبر لوحاته الصباغية، أو من خلال تنصيباته الفنية، إذ سبق وأنجز تجهيزاً فنياً استعان فيه بلفّ سيقان الأشجار وغصونها، بالإضافة لعمل فني في سفوح المنحدرات الرملية، «حديثة الأحجار المتساقطة»، حيث استوحى الفنان عمله من الصخور الطبيعية التي دمجها مع منحوتاته «الصخرية» متعددة الألوان؛ كل هذا في محاولة لدمج الطبيعي بالمصطنع (الفني).

  • لوحة من لوحات الفنان
    لوحة من لوحات الفنان

 فلم تعد هناك حدود في الفن المعاصر بين الواقعيّ والمتخيّل، وبين الطبيعة والعمل الفني.. حيث يستغل فن الأرض land’art -الذي ينتمي إليه عمل محمد أحمد إبراهيم المشار إليه- الطبيعة لصالحة، موظفاً إياها عبر التدخل فيها، سواء من خلال إعادة تركيب مفردات الفضاء البيئي، أو إزالة عناصر منه لصالح هندسة معينة، أو ممارسة النحت في الطبيعة.. وذلك ضمن سياق مفاهيمي عماده ما يسمى بـ«الفن-عمل»، سعياً لجعل الفن «شيئاً مجسداً مادياً»، للفت الانتباه لظاهرة ما أو موضوع/‏‏‏‏‏ مفهوم إنساني راهني. فأعمال هذا التشكيلي تسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان المعاصر والطبيعة عبر تقديرها والإحساس بها، في ظل كل هذه التغيرات المناخية والطبيعية التي أحدثها الكائن البشري.

الاستعارة البصرية
وقد استطاع محمد أحمد إبراهيم بفضل دراسته لعلم النفس، بالإمارات، وعلم الآثار بباكستان، أن يكوّن رؤية/‏‏‏‏‏ رؤيا فنية مفتوحة على التأويل المتعدد والمضاعف، حيث لا يتوقف العمل لديه على رسالة مباشرة ومعطاة بشكل مبسط. بل يدعو المتلقي إلى التفاعل معه والغوص عميقاً في عوالمه لفك شفراته وإعادة ترتيب المفردات المتشظية التي استقاها الفنان من العالم الخارجي والمخيّلة معاً. إذ تتكئ «آثاره» الفنية على عملية تجريد المواضيع الحياتية من «شيئيتها» ومدلولها المتداول مسبقاً ليلج بها إلى سياق «الاستعارة البصرية» لتصير محملة بدلالات مغايرة، ما يجعل هذه الأعمال تقارب من حيث الاشتغال أعمال الفن جاهز-الصنع، الذي يأتي بالأغراض من الواقع المعيش كما هي ويعرضها دونما تدخل كبير، ناقلاً إياها من عالم «الابتذال» إلى عالم «الفن»، فتتغير بالتالي بنيتها «المجازية» والغرض الأدائي منها، كما سبق وفعل مع أدوات الطبخ أو قوارير المياه نموذجاً.

  • حديقة الأحجار المتساقطة
    حديقة الأحجار المتساقطة

المعاصرة والمغايرة
وإلى جانب فنانين إماراتيين كُثر، تمكن محمد أحمد إبراهيم منذ ثمانينيات القرن المنصرم، أن يعرج بالفن الإماراتي نحو المعاصرة والمغايرة، متبنياً الحساسية الجديدة، هذه الحساسية التي تتأثر سريعاً بكل متغير طارئ لتستغله لصالح اشتغالها الاستطيقي، غير أنه يظل دائماً وفياً للفن المفاهيمي من حيث مبدأ الاشتغال، ‹فالفنان المفاهيمي لا يبحث عما «يقول» أو «يفعل» بقدر ما يبحث عن نفسه ويجد نفسه في «القول» أو «الفعل»، كما يخبرنا الباحث محمود أمهز. ومن خلال «العمل الفني» الذي تخطى قاعة العرض ليشمل العالم، يعبر الفنان، [والحال هنا محمد أحمد إبراهيم]، عن رغبته في الدخول جسدياً في العالم، متنقلاً من «الشيء» (اللوحة) إلى المدى المحيط به، مستبدلاً إطار اللوحة بإطار الوجود›. هذا الانتقال هو ما سمح لهذا الفنان الإماراتي الوفي لبيئة وطنه ومدينته خورفكان، أن يجد لتجربته الفنية فضاء لا حدود له ولا مؤطرات معطاة مسبقاً، ما مكنه من القيام بتجربة حقيقية مع العالم الخارجي عن الذات والورشة، عالم الوجود-مع. فالفنان «نحات البيئة والمجتمع»، وهكذا يمكننا أن نصف هذا الفنان.

غنى جمالي
وتتعدد أساليب الاشتغال لدى هذا الفنان وتتنوع في غنى جمالي، عماده الانتصار الدائم للطبيعة والإنساني، في حساسية متجددة ومفرطة متأثرة بكل تغيرات راهنية، غير مبتعدة عن صدى الداخل الإنساني، ولكنها لا تعمد إلى أية ذاتية بقدر ما تنتصر للمتشظي والمنفلت والهارب من الزمن. فأسندة وأدوات الفنان إلى جانب القماشة في تعرج إلى مسالك الورق والكارتون والبلاستيك والطين والفحم وكل ما تتيحه الأرض من ممكنات، مستخدماً تنوعاً صباغياً يقاربه من فن البوب، ويبتعد عنه عبر تلك المتواليات الهندسية ورموز وخطوط... مخاطباً بأعماله هذه ومن خلالها اللاوعي الفردي والجمعي، من حيث إنها تظل دائماً على مدى العقود الأربعة الماضية «آثاراً» للتنمية الحضارية والإنسانية.