يبدأ كتاب جان جاك روسو «أصل التفاوت بين البشر» بافتراض يقول إننا مهما اعتقدنا أننا نحظى بعقول مستقلة فإننا في حقيقة الأمر لا نملك المهارة اللازمة لفك شفرة احتياجاتنا الخاصة، فمن النادر أن تفصح نفوسنا عما يلزمها لكي تصبح راضية مشبعة، فعقولنا مثل العجينة الطرية التي يسهل التأثير عليها من خلال الأصوات الخارجية التي تخبرنا بما نحتاج إليه لنشعر بالرضا، ذلك الضجيج الذي يطمس الأصوات الخافتة المنبعثة من داخل أنفسنا، ويمنعنا من تحديد أولوياتنا بدقة.
كان الناس في الأزمان السابقة ينجذبون إلى الجوانب الأشد جوهرية لعيش حياة سعيدة: حب الأسرة، احترام الطبيعة، الإحساس بالمهابة أمام جمال العالم، تذوق الموسيقى وغيرها من التسليات المتواضعة، ووفقاً لرؤية هذا الفيلسوف فقد انتزعتنا الحضارة التجارية الحديثة، ورمت بنا إلى عالم الوفرة المليء بالحسد والاستهلاك الشرِه.

والوفرة في اللغة هي الكثرة والاتساع وهي الزيادة عن الحاجة المطلوبة، الزيادة في السعادة وتوفر كل الأشياء المادية المرغوبة هو أحد أشكال الوفرة الإيجابية، إلا أن زيادة الوفرة يمكن أن تعطي مدلولاً سلبياً بمعنى عدم لزوم هذا الفائض، وقد نتساءل: أليس من الطبيعي أن يستهلك الإنسان في حياته أكثر مما يحتاج إليه فعلياً؟ لأن الاستهلاك هو حاجة وهو مطلب مُلح مثل أن يأكل ويشتري ويمتلك الماديات المختلفة، إلا أن الإنسان الحديث قد يبالغ ويزيد من استهلاكه بأكثر من حاجته الفعلية، فتتزايد بداخله الرغبة في امتلاك المزيد مما هو موجود أصلاً دون تحديد الحد الأعلى والكفاية للتوقف عن مثل هذا الاستهلاك المستمر.
وقد قامت حجة روسو على فرضية أن الثراء الفعلي لا يتطلب امتلاك أشياء كثيرة بل يتطلب بدلاً من ذلك امتلاك ما يصبو إليه المرء، فالثروة ليست شيئاً مطلقاً كما يصفها روسو، وإنما هي في حالة نسبية مع الرغبة، فكلما رغبنا في شيء ولم نتمكن منه نزداد فقراً مهما زادت مواردنا، وفي كل مرة نشعر فيها بالشبع والرضا بما بين أيدينا نعد من الأثرياء مهما قل ما نملكه فعلياً، وقد فصّل روسو حجته بأن هناك طريقتين لجعل إنسان أكثر ثراءً: أن تعطيه المزيد من المال أو أن تحد من رغباته، وقد حققت المجتمعات الحديثة الأمر الأول بصوره رائعة غير أنها أشعلت باستمرار شهية الناس لاستهلاك المزيد.

هدف الحياة
في كتاب «فن الوجود» للفيلسوف آريش فروم، ترجمة إيناس نبيل سليمان، يصف الإنسان الذي يقوم بتوجيه حياته إلى التملك بأنه يحسم مسألة ماهية وجوده بناء على ما يملكه وما يمكنه تملكه، ويضيف فروم أن كل شيء تقريباً أصبح قابلاً للتملك حتى الأشخاص، ومن الطبيعي أن لا يصرح الإنسان علناً بأنه يمتلك شخصاً آخر، فهو حذر بهذا الشأن وقد يفضل أن يدعي أنه مهتم بالآخرين!
والتملك من عدمه مرتبط بثبات هدف الفرد في الحياة وبثباته على هويته الذاتية، ويستطع الشخص أن يختبر أعماقه بسؤال يتطلب الكثير من الصراحة والصدق مع الذات، ما الذي يراه ذا أهمية وقيمة بالتحديد؟ وما هو أهم شيء جوهري بالنسبة له؟ وهل سيفقد توازنه وتصبح الحياة غير ذات معنى إذا فقد هذا الشيء؟ في الغالب ستكون الإجابة أن ما يهمنا الحصول عليه هو التقدير والصحة والجمال والشباب والمال والمكانة، ولكن عندما لا يمكننا الحصول على أي من هذه الأشياء فإننا نريد امتلاك التجربة أو الذكريات على أقل تقدير. 
لقد شبّـه فروم الشخص الذي ينزع إلى التملك بأنه شخص يعتمد على العكازات أكثر من اعتماده على قدميه، فهو يستخدم وسيلة خارجية للوجود لأنه يحدد وجوده كشيء مادي، فالدافع إلى امتلاك الأشياء يتملكه بشدة، وقد أكد عالم الاقتصاد الأميركي «ثورستين فبلين» الذي بحث في الجدارة المالية، وهي القاعدة المتفق عليها للتقدير والتقييم في مطلع القرن التاسع عشر باعتبارها المعيار المركزي والوحيد لتقييم الأفراد في المجتمعات التجارية، أن الشخص الناجح رجلاً كان أو امرأة ومن أي عرق ولون هو من استطاع أن يحوز مالاً وسلطة بفعل منجزاته، فالمقدرة على كسب الثروة هي البرهان على النجاح، وقد أصبح امتلاك سلع مادية عديدة وعظيمة أمراً مرغوباً فيه، لا لأنه يقدم سروراً نفعياً أو ذاتياً رغم أنه يقدمه أيضاً، وإنما أيضاً لأنه يضفي الاحترام والكرامة.

وهْم الحاجة والامتلاك
لقد حول الإنسان الحديث نفسه أحياناً إلى سلعة ولهذا تجده مغترباً عن نفسه وعن رفاقه وعن الطبيعة، فهو يعيش حياته كاستثمار ليحصل على مقايضة مربحة مقابل مهاراته ومعرفته، فهو يؤمن بأن ليس للحياة أي إشباع سوى إشباع الاستهلاك، وقد أثبتت الدراسات أن رغبات الناس لا تأتي من ذواتهم فقط بل من الممكن أن تثار وتدار من خلال العروض الكبيرة والمتنوعة في البيئة الخارجية والمجتمعات، التي توحي للشخص بأنه محتاج لشيء ما برغم أنه بحالة جيدة في الواقع.
لقد كان اقتصاد القرن التاسع عشر ينطلق من مسألة التوفير، في حين أن نظامنا الاقتصادي الحديث ينطلق من مسألة العرض والطلب وافتراض أن الصناعة ستتمكن من إنتاج جميع المنتجات سواء كانت مادية أو ترفيهية أو ثقافية، ولهذا تجد أن بعض البشر يشعر بالفقر رغم امتلاكه أكثر من حاجته، ولكنه يعاني بسبب عدم قدرته على مجاراة السرعة الكبيرة للإنتاج فيستسلم للرغبات الدونية وتزداد المشاعر السلبية، ويتفاقم الحسد والشراهة في الاستهلاك، وترتبك قناعاته الذاتية ليقيس قيمته على حسب ما يملك من ماديات وليس على قدره الحقيقي كإنسان.

ثقافة الاستهلاك
والمجتمع الاستهلاكي يجعل سعادتنا أمراً بعيد المنال ويحثنا على مزيد من الاستهلاك دون حاجة حقيقية، ليجد الإنسان نفسه طرفاً في عالم التسويق ويكون هو السلعة دون أن ينتبه، فمن خلال الترويج في وسائل التواصل الاجتماعي وفي الإعلانات والأفلام يتم صياغة الهوية الذاتية للفرد من خلال حثه على تقليد حياة الآخرين، ليعتقد واهماً أنه بهذه التصرفات يمارس حريته الشخصية، بينما ما يحدث في الواقع هو استجابة نفسية لتأثيرات تعمل على العقل اللاواعي فيقوم باستبدال منتج بآخر صنع بعده لا يختلف كثيراً، ودون وجود سبب عقلاني واضح غير استمرار الاستهلاك والشعور بعدم إشباع حاجاته بالكامل وهنا تكمن المفارقة الكبرى. 
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نمتلك القدرة على تغيير الحياة والتوقف عن امتلاك الأشياء الفائضة عن حاجتنا؟ هل نحكم على الناس من خلال ما يمتلكون مادياً فنحترم الأغنياء أكثر؟ هل يشعر البعض برغم كل ما يملكونه بأنهم غير مكتفين نفسياً أو مادياً؟ كل تلك الأسئلة وإجاباتها تستدعي التعمق في الكثير من القناعات الشخصية، فثقافة الاستهلاك قدمت الكثير من الوعود الوهمية للسعادة، ولكن الغالب لم يتعظ ويدرك حقيقة ما يحدث لأن مثل هذه المواقف تتطلب شجاعة التفكر في حقيقة أوضاعنا، وتوجب وجود وعي نفسي كبير، فهل نملك عقولاً مستقلة تستطيع أن تصل لإجابة شافية؟

• أكاديمية في جامعة البحرين