محمود إسماعيل بدر (الاتحاد) 

ربما يكون الفنّ التّشكيلي هو الوحيد الذي يعبر الحدود دون خوف أو وجل، أو تكون له محاسبة إذا ما عبّر أو تجاوز الخطوط الحمر، التي وقعت فيها بعض الفنون الإبداعية بسبب التغيرات التي طالت الفن وحسبه البعض حراماً، وأنّه يجب أن يكون ضمن المفهوم الاجتماعي. ومن تحت هذه المظلة، وخلال العام الذي اجتاح فيه «كورونا» العالم بأسره، وجد التّشكيليون أنفسهم أمام واقع وحياة جديدة، دفعتهم للبحث عن أساليب وطرق جديدة لطرح مشاريعهم وإبداعاتهم وأفكارهم، ومن ذلك إقدام 16 رسّاماً ورسّامة من الأردن على إنجاز عملهم الجماعي، المتمثل في معرض «بلا حدود.. تفكيك الحدود من خلال الفن»، الذي افتتح قبل أيام في«البيت العربي» في قرطبة الإسبانية، بالتعاون مع المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، ويتواصل حتى 4 فبراير من العام المقبل، وتشكّل أعمالهم التي تزيد عن 50 لوحة بمدارس واتجاهات فنية مختلفة انعكاساً نقديّاً لموضوعات تدور حول مفهوم الحدود الحقيقية والخيالية التي أنشأها البشر لدوافع سياسية، بما في ذلك الحدود الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدينية، والقائمة للأسف على الهوية والعرق، وغيرها من الدوافع مثل التطرف والخوف من الآخر. 
وترتبط الأعمال المشاركة بخيط واحد يعبّر عن جذور الرّسامين، وانتمائهم لبيئات أصلية، فتميل أعمال الفنانة آلاء يونس تحت أسلوبية الطباعة الرقمية، بعنوان: «مخطط بغداد الكبرى» نحو الحضارة البابلية والتراث القديم، ومنح المدن العربية خصوصية مستمدة من إشراقاتها المعمارية، فيما يستكشف أحمد الخالدي في تجربته مفاهيم جديدة تتصل بالهوية والانتماء، ضمن إنشاءات فراغية تعكس الحدود الخيالية التي ابتكرها البشر، بينما فضّلت الفنانة آسيا شيشاني التي قدمت أعمالها تحت عنوان: «بين ذوات» -تقديم ثنائية التحدث والاستماع والجدل بينهما من منظور صراع الألوان والهدوء أمام صخب الحياة، ويدعو الفنان أحمد سلامة في لوحاته التي عنونها بـ«سابع نومة» إلى الاطلاع على معارك القبح والجمال وتصوراتهما لعولمة الحياة. وينحو الفنان رائد إبراهيم في تجريداته «معلّقات» إلى بناء مقاربات لونية، من خلال جملة من القصائد العربية الشهيرة بوصفها الحدّ الفاصل بين مفاصل تاريخية في الحياة العربية، هذا إلى جانب أعمال من الرسم والنّحت والتصوير لكل من ديمة شاهين، فراس شحادة، دينا حدادين، خلدون حجازين، ليندا خوري، محمد الحواري، مؤمن ملكاوي، دانا قاوقجي، ميس العزب، ريما شتات، حيث تستوقفنا أعمالهم المعبّرة عن المشاعر المتضاربة داخل النفس البشرية، وتفتح فضاءات للتفكير حول ما وصل إليه الإنسان المعاصر من أزمات وتحديات بسبب غلق الحدود وتداعيات الحروب والنزاعات التي لا تملك مبرراً. 
وفي هذا السياق أكدت الفنانة آلاء يونس لـ«الاتحاد» أن لوحات المعرض متاحة للمشاهد عبر الإنترنت، واختيار توقيت الحدث جاء لإعادة الإحساس بالفن والبهجة والهدوء، وربما فرصة لنسيان الواقع الصعب الذي سببته الجائحة، وأيضاً نسيان مشاعر القلق والخوف والإحباط التي تسيطر على الجميع منذ ظهور الوباء، وتوفير فرصة لاستعادة جزء من حياة الحرية في مرحلة ما قبل ظهور الفيروس، والتطلع نحو حياة متفائلة.