ترجمة: أحمد عثمان

ولدت الشاعرة الأميركية لويز غلوك في عام 1943 بنيويورك لأب هنغاري وأم روسية، بدأت في كتابة الشعر بدءاً من أوائل الستينيات، بيد أنها أصدرت أول دواوينها «بكر» في عام 1968، وبهذا الديوان و«شكل تنازلي» (1980) فرضت نفسها على العالم الشعري الأميركي المعاصر. وفي عام 2014، حازت جائزة ناشيونال بوك آوارد عن ديوانها: «ليلة وفية وفاضلة»، وقبلها جوائز عدة، من بينها: جائزة بوليتزر عن «السوسن البري» (1993) وجائزة لوس أنجلوس تايمز بووك عن ديوانها «قصائد (1962 - 2012)»، قبل أن تتوج مسيرتها بجائزة نوبل للآداب 2020. وشعرها يتجاوز النسوية: في الواقع قصائد لويز غلوك تتجاوز مختلف الثيمات التي يمكن ربطها بالنزعة النسوية، الإشارات الملحة في حواراتها وشعرها عن إميلي ديكنسون غير بريئة ولا تخون تأثير شاعرة امهرست على غلوك التي نشأت في لونغ آيلند، فللشاعرتين تمثل متشظٍّ للأنا، وكذا شهادة التجربة المتجذرة في الذاتية المتفردة، ولهذا كان صوتها فريداً ويتحاشى الانتماء إلى أي جنس أدبي محدد، فشعرية غلوك، في آخر الأمر، تتعمق في حميمية الذات، وذلك بتجنب كل ما هو شخصي.
ولا تنتمي غلوك إلى أي جماعة شعرية، كما لا تجعلنا نصنفها داخل أي تقليد معروف: «أنا معجبة -كما قالت- بستيفنس وديكنسون، بيد أنني أشعر بدرجات قربى أخرى، وارتباطات أخرى: إليوت، ويليامز، باوند، أوبن، كفافيس»، وريلكه وسيلفيا بلاث يلاحقان شعرها -ولكن، كإغواءات، أو شراك، مع بلاث. وعلى كل حال، فلديها رغبة الاتقان الكامل، وتعرية العلاقات القائمة بين الرجل والمرأة. 
«الجوع، دوماً الجوع، هنا شحنتها»، حسبما كتب كالفن بديانت، ولكن ما هو هذا الجوع وما معادله؟ الحرمان، هنا...؟! الأكثر برودة، حسب منطق شعرها، «صور الفقدان المتعددة» التي تقول كل شيء! 

* أجراس 
أرى أن الأمور معك تسير كما مع أشجار البتولة:
لا أحدثك
شخصياً. كثير 
من الأشياء جرى بيننا. أو 
هل جرت من ناحيتي
فقط؟ أنا
مذنبة، مذنبة. طالبتك أن 
تكون إنساناً -لم أطالب بالحنان 
أكثر من أي شيء آخر. ولكن غياب
المشاعر، أقل اهتمام في نظري- أستطيع الاستمرار
في الكلام إلى أشجار البتولة، 
كما في حياة أخرى: دعها تقوم 
بالأسوأ، دعها
تدفنني مع الرومانسيين، 
أوراقها الذهبية الرقيقة 
تغطيني في سقوطها.

* حب في ضوء القمر 
أحياناً، رجل أو امرأة يلقي بيأسه
على شخص آخر، أي 
يعري قلبه، يعري روحه
-ما يعني حالياً أنهما حازا على روح- 
في الخارج، ذات مساء صيفي، عالم بأسره
منعزل تحت القمر: جماعات بأشكال فضية 
من الممكن أن تكون بنايات أو أشجاراً، الحديقة الصغيرة
التي تختبئ القطة فيها، تتدحرج في التراب على ظهرها، 
الوردة، زهرة البق، وفي العتمات، قبة الكابيتول الذهبية
تحولت إلى مزيج من ضوء القمر، شكل بلا 
تفاصيل، أسطورة، نموذج مثالي، روح 
ممتلئة بالنيران، ضوء قمر حقيقي، آتٍ 
من مصدر آخر، وباختصار 
يلمع كما يلمع القمر: حجر أو لا حجر، 
للقمر هيئة كائن حي. 

* العشب المجنون
شيء ما
يأتي إلى العالم، بلا دعوة 
مسبباً الفوضى، الفوضى 

إذا كرهتني كثيراً، 
لا تنزعج من منحي
اسماً: هل أنت في حاجة 
إلى مسبة 
على لسانك، طريقة 
أخرى لتأنيب 
قبيلة على كل شيء 

كما نعرف نحن الاثنين، 
لمحبة
مطلّق واحد، يلزمنا 
عدو واحد 

لست العدو، 
فقط خدعة تمكنك من الالتفاف
حول ما تراه يمضي 
هنا أيضاً، على هذا الفراش، 
مثال صغير
عن الإخفاق. هنا، كل يوم تقريباً
إحدى هذه الزهور الجميلة 
تموت ولا تجد الراحة 
إلا بعد إدراك العقل، بمعان أخرى:
كل ما يبقى، كل ما يتغير
يكون قوياً مؤكداً 
عن هواك الشخصي 

هذا غير مفترض 
للبقاء مخلداً في العالم الحقيقي
ولكن لماذا الرضى به طالما تستطيع مواصلة
ما كنت تفعله دوماً، 
الحداد والتجريح
كلاهما معاً دوماً.

لا أحتاج إلى مدحك 
لكي أبقى حية. كنت هنا
قبلك، حتى قبل
أن تزرع الحديقة.
وسوف أكون هنا عندما لا يبقى إلا الشمس، القمر
البحر والمروج الشاسعة.
سأكون المروج. 

* سلم يعقوب 
واقعاً في فخ بالأرض، 
ألا تريد، أنت أيضاً، الذهاب 
إلى الجنة؟ أحيا في حديقة سيدة. اعذريني، سيدتي، 
إن كان الحلم يخلب لبِّي، 
لست ما تريدينه. ولكن
كل ما يرغبه الرجال والنساء
من بعضهم بعضاً، أرغب 
في معرفة الجنة -والآن 
حزنك، جذع عار 
ملقى نحو نافذة الرواق.
وفي النهاية، ماذا بعد؟ زهرة زرقاء صغيرة 
كنجمة. لا تترك العالم
أبداً! أليس هذا ما تعنيه دموعك؟

* الخشخاش المنثور الأحمر
المزية الكبرى
عدم امتلاك
العقل. مشاعر؟
أمتلكها. أنها من 
تحكمني. لي
مطلق في الجنة
يدعى بالشمس، أسر 
إليه بأفكاري، أظهر له 
نيران قلبي، نيران 
تشبه وجوده.
ما الذي يمكن أن يكون مجداً
إن لم يكن قلباً؟ إخوتي وإخواتي، 
هل حزتم على يومٍ كيومي، منذ زمن طويل، 
قبل أن تكونوا ذواتاً إنسانية؟ هل 
سمحتم لأنفسكم
بأن تكشفوا ما يعتريكم مرة واحدة فقط، 
أنتم من لا تبينون ما بداخلكم أبداً؟
أتكلم هنا
بطريقتكم. لأنني 
أتقوض 
كما أتكلم. 

* هجرات ليلية 
هي ذي اللحظة التي ترى ثانية فيها
ثمار الغبيراء الحمراء 
وفي السماء المعتّمة 
الهجرات الليلية للعصافير

أعياني التفكير 
في أن الموتى لن يروها 
كل هذه الأشياء التي نتعلق بها، 
تحتفي.

أين تجد الروح راحتها؟
أقول في نفسي إنها بغير حاجة 
إلى ملذات أخرى، 
ربما يكفي عدم وجودها، 
إذ من الصعب تخيُّـله.

* جان دارك 
في منتصف الحقول. لم تزل الأشجار تنمو، 
نور يمضي عبر الأوراق التي تقول
بالملك المسيحي. هكذا، سمعت 
كل جسدي يتصلب في دروعي.

منذ رماني الجند 
إلى العتمة، دعوت الرب 
والآن أجابت الأصوات: 

يجب أن أستعلى على النار..

يجب أن أركع 
لكي أبجل ملكي وأشكر
العدو الذي أدين له بحياتي.

* أجراس 2 
الشمس ليست الوحيدة التي تلمع، هناك أيضاً
الأرض، نار لبنيّة اللون
تتسلق الجبال الشاهقة
والطريق المستوية
تلمع أول النهار، كان هذا، حصرياً، 
لصالحنا، لكي يبتعث 
إجابة، عاجزة 
عن السيطرة عليك
أمام الأرض -أخجل 
من التفكير في كونك 
كنت بعيداً عنا، تنظر إلينا 
كتجربة: 
شيء رهيب وحزين أن يكون 
الحيوان غير الضروري، 
شيء رهيب. يا صديقي، 
يا صديقي القلق، ما الذي يثير 
دهشتك الأكثر في مشاعرك؟
عظمة الأرض أو نشوتك؟
دوماً وبالنسبة لي، 
اللذة والإعجاب.

* الأطفال الغرقى 
ترى، لا رأي لهم.
وهكذا، من الطبيعي أنهم غرقوا، 
في البداية جذبهم الثلج
ثم، طوال الشتاء، أوشِحتهم الصوفية
تطفو خلفهم. يغوصون 
حتى يختفون في آخر الأمر.
والبركة ترفعهم في أطرافها المعتمة.

ولكن الموت لابد أن يأتيهم بطريقة أخرى، 
كما جرى في البداية تقريباً.
كأنهم كانوا دوماً 
عمياناً وبلا ثقل. أيضاً، 
كان الباقي متخيلاً، المصباح، 
الغطاء الأبيض الذي يغطي الطاولة، 
أجسادهم.

ومع ذلك يسمعون الأسماء المألوفة
كفخاخ تنزلق على البركة:
ماذا تنتظرون 
ارجعوا، ارجعوا إلى البيت، أنتم الضائعون
في المياه، الزرقاء والدائمة.