محمد نجيم (الرباط)

في تواشج روحي وجمالي بين اللوحة والقصيدة، يقام في مدينة الصويرة المغربية، معرض «ليس أسود تماماً... لكنه أسود» الذي تعرض فيه لوحات الفنان التشكيلي المغربي سليمان الدريسي، إلى جانب قصائد الشاعر المغربي مبارك الراجي. قصائد ولوحات تسقي الروح وتنعشها وتمنحها لحظة صفاء وجمالية وتنسينا، ولو لفترة قصيرة، ما تعانيه البشرية من أعطاب نفسية جراء تفشي فيروس كورونا الذي غيّر من وقعِ حياتنا اليومية. فبين تشكيل الفنان سليمان الدريسي ونصوص الشاعر مبارك الراجي يَمٌّ من السواد المضيء الذي يفيض بالكثير من المعاني الجمالية المستمدة من اليومي ومن عمق التأمل والتخييل. 

إشكالية بصرية
ويصف الناقد الجمالي إبراهيم الحسين هذا المعرض، خلال افتتاحه بقوله: كثيراً ما قادني لأدرك جيِّداً كيف كانا يدبِّران لقاءاتهما الإبداعية لنسج خيوط هذه التجربة الجمالية (الإستطيقية) المشتركة، حيث كانا يتبادلان الإصغاء أكثر من الكلام، وقد تتبعت جزءاً من هذه المحاورة الصامتة والناطقة في آن: شاعر صموت لا يتحدَّث كثيراً، ولكنَّه يقول أشياء كثيرة ينطق بها شعره، في مقابل تشكيلي حركي لا يهدأ إلاَّ حين يقتحم عذرية القماش بصبغات وخامات يختارها بنفسه.. يقف الشاعر مندهشاً، مشدوداً بهذه التكوينات التشكيلية الحرة ليتحرَّك بخطواته المتثاقلة في اتجاهات لا تحدِّدها سوى نزعة الشعر.. والشعر فقط!! هو هكذا داخل المرسم متجوِّلاً بين اللوحات وشاهداً على لحظات ولادتها غير آبه بوجود الفنان، وحدها الأعمال الفنية التي تؤنسه وتثير فضوله على نحو متجدِّد.. إنه باختصار يسعى إلى حلِّ إشكالية بصرية عبر إيجاد إجابات دون طرح أسئلة ولو من بعيد.. هكذا شاهدت الفنان.. وهكذا استمعت إلى الشاعر.

  • لوحة للفنان سليمان الدريسي
    لوحة للفنان سليمان الدريسي

غيمة في اللوحة
أما الشاعر مبارك الراجي فيتفاعل شعرياً مع إحدى لوحات الفنان سليمان الدريسي بقوله: اللوحة.. تراب وادي رم كيف أدهشت البتراء صدر الجبل، ظلال آل عاد وثمود، وطئ أقدامهم ذلك التراب، تراب دمعة المجاز، المطر الغزير لآلاف السنين والذي للتو والآن لا يزال يطل بغيمته في اللوحة كأنه للتو رغم آلاف السنين، وللحظة صغيرة فقط مرّت القوافل محشوة بالعطر والشعر وجلالة الخيال، تمر رغم آلاف السنين، تمر الآن، أكاد أسمع أصواتهم في تراب رم أسفل اللوحة، أسمع عشاق وادي رم وجوقة الأطفال يرددون أشعار الجن والماء.. هذا اللون البسيط كمحارة في قوقعة أو زرقة شاردة في معطف وأحذية البحّارة، أو لِمَ لا كرغيف الشمس في فم البسطاء.. هذا اللون الأصفر المشاع بين أوراق الكتب، هذا الأصفر الذي نزل سلماً لفان غوخ وأبرق فجأة في أوراق الكتب المستعملة، الأصفر الذي يفصل بين الموت والحياة في خط دائري كحركة المويجات في اليمّ حين يصيبها حجر صلد، كأنه سؤال مُبتَلّ بالأعماق أو بحركة الغرق في جسد الماء، ضربة فرشاة هذه، أم هي يد الليل فاجأتها في عمق الهزيع بمفردة الجمال؟