يندرج هذا العمل ضمن الاحتفاء بالإبداع وبالأدب اللّيبي أوّلاً، وبالروائي اللّيبي الكبير إبراهيم الكونيّ ثانياً، باعتباره رمزاً من رموز هذا الأدب، ثم بالعلاقة بين الإبداع والصّحراء ثالثاً. هي علاقة تتمحّض في أجناس الكتابة للشعر، أو تختصّ به ويختصّ بها في الثقافة العربيّة القديمة خاصّة، وتكاد تنحسر في الشعر الحديث عامّة. فقد اختزل المكان أو الفضاء المكاني في «المدينة» وتركّز عليها. وهو أمر طبيعي نتيجة اصطدام الشاعر الحديث بمفاهيم حضرية جديدة وتشكّل علاقات مستحدثة: ريف/‏ مدينة/‏ براءة ونقاء/‏ علاقات ماديّة شرسة، تواصل إنساني/‏ تفكّك وتناقض وقبح وفقدان الإنسان إنسانيته.

الصحراء مفتاحاً تأويليّاً
هكذا كان الأمر في جلّ النّصوص السرديّة الحديثة، عدا بعض الاستثناءات، كالبحر عند حنّا مينه والصحراء عند إبراهيم الكونيّ، وهما، رمزيّاً، وجهٌ وقفا. وبما أنّ الفضاء قضية فلسفية متعدّدة المداخل والمقاربات (بنيويّة، سيكولوجيّة، سوسيولوجية وغيرها) إضافة إلى أبعاده ودلالاته المختلفة المتناسلة من بعضها بعضاً، فقد آثرنا دراسة هذه المسألة في مدوّنة إبراهيم الكونيّ أيّ في مدونة تميّزت بالتفرّد تقريباً في الاحتفاء بالصّحراء ممّا يجعلها «مفتاحاً تأويليّاً» ملائماً، تمكّن من الدّخول إلى عالم السّرد عند إبراهيم الكوني، إضافة إلى أنّ علاقة الذّات بالمكان علاقة إشكالية قديمة في الشعر والفكر والوجود الإنساني برّمته.
ومن مبرّرات الاهتمام أيضاً أنّنا وجدنا شبكات من المفردات تؤدي الفضاء أيّ فضاء في إبداعات إبراهيم الكوني، تطّرد باستمرار وبتنويعات مختلفة متباينة. فهل لذلك علاقة بعالمه السّردي؟ بالسّمة الطاغيّة؟ بالمقاصد المُعلنة والخفيّة وبالجنس الأدبي الذي يتشكل بين يديه؟ ثمّ هل الفضاء/‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ الصحراء بكافة مظاهر حضوره مجرّد وسيلة تبليغ وأداء، يمكن تعويضها أو حذفها أم هو لبنة من لبنات البناء ومكوّن من مكوّنات نسيج النصّ وسداه ولحمته؟ ثمّ ما هي الوظائف التي يمكن أن ينهض بها؟
يمكن الإجابة عن هذه الاستفهامات من خلال عملين أساسيين هما رواية «التبر» و«القفص» (مجموعة قصصيّة) وعبر تعيين أصناف المكان أو تجلياته وخواصّه وتفاعلاته، ورصد الفضاء باعتباره فاعلاً من بين أصناف الفواعل في حركتها ورمزيّتها وتنميطها. لنخلص أخيراً إلى الوظائف والانتقال من الفضاء إلى سيمياء الفضاء.

ننطلق من قراءة نصّ ونختم بقراءة نصّ آخر.
النصّان بينهما من وشائح القربى ومتين الاعتلاق كمثل ما بينهما من علامات التباعد والتباين.
النصّ الأوّل للناقد «فلاديمير غوسيف» أستاذ الأسلوبية بمعهد «غوركي» بموسكو. والنصّ الثاني ترجمناه للفيلسوف جيل دولوز من كتاب عنوانه «critique et clinique» وقد ترجمنا العنوان بـ«النّقادة والعيادة» وتَرْجَمَتُه على هذا النحو مقصودة.

تعريّـة أسرار العالم
النصّ الأوّل: «شاهدت الشمال الإفريقي بعيني. لست مستشرقاً ولكنّ الصّحراء فتحت لنا من الدّاخل بحرارة وقساوة نثر إبراهيم الكونيّ.
هل نصّه نصّ ضدّ أوروبا؟
هل هي الوجه للتعبير عن الوجود؟ في عالم الصّحراء، عالم القرآن، عالم القيّم الزهدية والنقاء والحياة في أحضان الطبيعة... ثمّة أشياء كثيرة يقصر الفهم المجرّد عن إدراكها، ولكنّه ينهض من تلقاء نفسه من داخل المناخ الرّوائي، راسماً أمامنا ذلك العالم الصّحراوي القاسي، الطبيعي، وهو في الوقت نفسه روحيّ متوترّ، زهديّ، إنّه أمر في غاية الغرابة، إذ من النّادر أن يصف إبراهيم الكونيّ الصّحراء نفسها، كي نحسّها ورغم ذلك فإنّ نموذج السّماء المفتوحة فوق الأرض، العراء المنبسط حينا والأرض الجبلية حيناً آخر تظلّ قائمة نصْب أعيننا خلال عمليّة القراءة كلّها.
إنّنا نكتشف هنا نموذجاً يعرِّي لنا أحد أسرار العالم، تلك الأسرار التي سنعجز بدونها عن فهم أوروبا المجاورة، ونعجز عن اكتشاف أشياء أخرى كثيرة ظللنا نجهلها، وسنعجز بدونها عن فهم الحياة نفسها. لأنّ الصحراء ظلّت منذ الأزل، تضع الإنسان وجهاً لوجه أمام كينونة تضعه متجاوزة العالم الصّناعي كلّه، متجاوزة الحضارات، الفخاخ، وكلّ أقنعة القرن العشرين الأخرى، تضعه كما نرى داخل العالم نفسه».
النصّ الأوّل حضاريّ يندرج ضمن علاقة الأنا والآخر، اتصالاً أو انفصالاً جواراً أو قطيعة، فيه يعترف الآخر للذات الكتابية بفرادتها وتميُّزها من خلال التباين، من خلال الفضاء /‏‏‏ الصّحراء، بل من خلال إبراز شعريّة الفضاء والاعتراف بجماليته. 

اللحظةُ الأولى في الإدراك
أمّا النصّ الثاني ففلسفيّ، يؤكّد فيه صاحبه أنّ الصحراء فضاء يملؤه لهيب الشمس، لهيبٌ هو اللحظةُ الأولى في الإدراك، وهو الذي يصنع السّرابَ حيث تصعد الأشياء وتنزل مثل حركة الآلة، حيث الرّجال يترنّحون بكلّ إرادتهم، حيث الإدراك كمثل الهلوسة... لابدّ من معجم لونيّ أو ثقافة لونيّة لنفهمَ علاقة العرب بالصحراء... في الصحراء ثمّةَ كلّ مغامرات المرء وإدراكاته... إنّ اللونَ في الصحراء حركةٌ، انحرافٌ، انزلاقٌ... فطاحلُ الكُتّاب، وحدَهم، لهم شروط فرديّةٌ للإدراك، بما يسمح لهم نحتَ إدراكات جماليّة تُضارعُ رُؤًى حقيقيّة... المناظرُ في الصحراء، جِمَّاعُ الخطوط والألوان والحركات، حيث يكونُ كلّ إبصارٍ منحرِفاً...
أَوَليست الصحراء فضاءً وحيِّزاً وفاعلاً من الفواعل وذريعةً للكتابة، يترسّمُ الحركةَ فيها، صاغَةُ الكُتّاب،
الخلاّقونَ وفنّانو التخييل؟!.

الصّحراء/‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ المكان.. حيّز الوجود:
لا بدّ من الإشارة إلى أنّ كلّ أعمال إبراهيم الكونيّ أو جلّها انطلاقاً من «العتبات» (الإهداءات، الومضات، التصديرات، صور الغلاف...) تحتفي بالصّحراء أو تُحيل إليها أو تُلمّح إلى متعلّقاتها ودلالاتها...
رواية «التّبر» مثلاً مهداة إلى فارس الفايكنغ الذي تعلّق بالصّحراء، وتصدير الرواية بفقرة من موقف الاستمرار لمحمّد بن عبدالحبّار النفري المتصوّف الشهير دليلٌ على ذلك واللّوحاتُ المرسومة (حيوانات، أحداث، نباتات...) في غلاف رواياته جلُّها جداريّاتٌ مرسومة في كهوف الجبال الصّحراوية في ليبيا بالخصوص. وإحالات رواياته وهوامشها تفسيرٌ لبعض الطلاسم أو الرّقى أو التعاويذ الصّحراوية في قبائل الصّحراء الكبرى.
حيّزُ الوجود واقعاً وتخييلاً هو الصحراء لكنَّ المكان أماكن وأصناف يتجلّى في عدّة هيئات وبمختلف التصاوير حسب النفسيات والحالات والوضعيات السّردية.
أمّا الأمكنة إذا ما توخينا سبيل التنميط فإمّا أمكنة عدوانية مقابل أمكنة ألفة: (جدلية الأمن/‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ الخطر) أو أمكنة مجهولة/‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ مقابل أمكنة معلومة (جدلية الخفاء/‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ التجلّي) أو أمكنة بعيدة/‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ مقابل أمكنة قريبة (جدلية القرب والبعد) فالصحراء في عالم إبراهيم الكونيّ صحارى.
هي موطن الولادة وسفر التكوين وهي القبر والضريح وهي شاهدة الاكتمال والبهاء وفيها يتمّ النداء وفيها يكون الصّدى.
في لحظة الولادة - الصحراء المهد «تتمدّد البذرة في العدم تلتقط أنفاساً من باطن الأرض في تراب الصّحراء، أنفاساً كثيرة. الباطن مشبع بشذى الزهور الأسطورية كلّ الزّهور التي تلاحقت في الأودية والسّهول. إيماءات السّماء تثمر في رحم الأرض الرّحيمة سحراً خفيّاً مدوّراً كنهد صبيّة عذراء تتعدّد ألوانه وحجومه ومذاقه».

الصّحراء رَحِم التشكل:
«يظلّ الكنز مخفيّاً في الجوف، ينمو، يتمدّد يستدير، يركل بجسمه المتوتّر، يخنقه القبر، يكتم أنفاسه التراب القاسي، يقاوم الحياة أقوى من الموت حتى في جوف القبر يدوس الحبيبات الصّغيرة العنيدة الحمراء، تتلاحق أنفاسه القويّة، يستدير، يتكتل، يتململ، ينفلق الحجاب للخروج، للرّؤية. لا يجد القلب راحة حتى ينعم بمقام الرؤية».

الصّحراء حيّز الكشف:
«رأس الوليد السّحريّ اتجه صوب تلك القمم الإلهية الجليلة (...) المعجزة الآن اكتملت، فهبّي أيّتها النّسمات الشمالية الرّحيمة، وارقصي يا حوريات، وابتسمي يا سماء، قبّلي جبين الصّحراء».

الصّحراء اللّحد أو حيّز الفناء:
مع المصير لا تنفع تعاويذ السحرة، قالت العرّافة العمياء: همهم الجنّ العليم بكلّ شيء خفيّ: الكنز يعود إلى مولاه، كما يرجع كلّ شيء إلى أصله الابن إلى الأب، والعبد إلى الربّ. 
الصحراء كما نلاحظ من خلال هذه الدّائرة المغلقة أو المفتوحة تخرج عن كونها مجرّد حيّز أو مكان لتكون نظيراً للوجود رديفاً للنّشوء أو رمزاً لسفر التكوين، هي بلغة أهل الفلسفة «محرق الوجود ومحوره الدوّار» أنطولوجياً.
وهي بنيوّياً مكان أصل وأمكنة حافّة تتداخل أو تتجاوز أو تتحاور أو تتماهى أو تتباين وتتضاد.
لقد كانت حلقة الرّقص بين مضارب القبائل، حيث يتباهى الفرسان بالمهاري وبالمهارات وبالأجساد مناسبة لحَشْدِ الأوصاف للمُهْرِ، ضمن طائلة الغزل وتقريظ الصديق وحبّ المتصوّف للذّات الإلهية وحركة الفاعل في الأحداث.
هو صديقه وهو صفيّه وهو حُلِيُّه وهو خليلُهُ وهو الذات المعشوقة وهو المؤثّرُ في نفسيّته وهو الفاعل الرئيس بإطلاق. وهو رفيقه في نزواته وغزواته وعالمه الواقعي والرمزي الحوار بين الإنسان والحيوان أو حوار الذّات مع ذاتها وحوار الشقّ مع شقّه.
في الصحراء الوديان والغيران، المراعي، «الحمادة»، حيث النُّصبُ الوثنيّ المقدّس بين الجبال، النبتة المقدّسة الخرافيّة، الترياق، ثمرة الترفاس (نبتة الجنّ)، حبيبات الرمل، البرزخ، مضارب القبائل (أيموهاغ الطّوارق)، بلاد الشجرة، كانو وتمبكتو، والواحات، الجذب، ومكان الوحي والإلهام.
أحياناً يتحوّل الفضاء/‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ الصحراء إلى مبعث للطمأنينة والرّاحة والإحساس بالتواصل مع الأنا والآخر والأشياء وما وراءها «هنا كلّ العفاريت تموت عطشاً، العفريت لا يسكن عين الكرمة وحدها ولكن يسكن الواحة كلّها. يبقى المدى في الخلاء والمدى في القلب. الصّمت في الأذن والصمت في القلب. ماء عين الكرمة يغسل الجسد والصم وحدها تغسل الرّوح. تتطهر، تخلو، تتفرّغ، تتفضّى، فيسهل أن تنطلق لتتحد بالخلاء الأبديّ، بالأفق، بالدّنيا الأخرى، بالآخرة، نعم بالآخرة. هنا فقط في المتاهة العارية حيث تلتقي الأطراف الثلاثة: العراء، الأفق، الفضاء لتنسُج الفلك الذي يسبح ليصل بالأبدية الآسرة هذا الالتحام السماوي، التحام الثالوث المقدّس، هو الذي ينشر الطمأنينة ويشد خيوط السكينة ويزرع الصّمت والهدوء في القلب.
والصّحراء أيضاً في المقابل وبحسب حالة الشخصيّة الرئيسية النفسية بتأثير من أحوال الأبلق سجن وقيد وطوق ومكان عدواني.
.. وثمّة وجه آخر للصحراء
«الصحراء الرّملية خائنة، عدم، لا عشب ولا شجر برّيّ ولا حيوانات بريّة»!
أمّا صحراء الحمادة فجنّة (...) إذا لم تجد شاة فغزالة أو ودّاناً، وإذا لم تجد أعطتك أرنباً وإذا لم تجد أرنباً، استضافتك بعظاءة، وإذا كان الفصل لا يناسب ظهور العظاءات رحمتك بنبق الشّد من ثمار العام الماضي..
الصحراء في قصص «التبر» عالم غامض واضح: قبل أن يستقرّ في الشق تفقّد الجبل الجليل الممتدّ من الغرب خاشعاً، ساجداً نحو الشرق، صوب القبلة، ينسج لقمّته العالية عمامة زرقاء من قبس الفجر الصحراوي المسحور، فكم هي عاريّة وكم هي خفيّة هذه الصحراء.

الصحراء الجنّة:
ها هو وقد كافأه الله على الصّبر ليهديه إلى هذا الكنز، المراعي الخفيّة، المراعي التي أخضرّت، بالسّحب العابرة، هديّة سماويّة في الصحراء. حتى الصّحراء العارية تعرف كيف تُخبئ المفاجآت لتكافئ بها الصّابرين، كافأت المهريّ بالعشب وكافأته هو بالترفاس (الكمأة)، الترفاس أيضاً كنز مخفيّ، وما هو الكنز إن لم يكن ترفاساً. ثمرة تسقط من السماء، يجود بها العدم، تتشقق عنها الأرض شذى ينطلق تائهاً في المطلق تذروه الرّياح وتعيده إلى الأرض، تلتحم البروق وتتزاوج بالرّعود، فتتولد الثمرة السحرية من قلب الفناء إنّها الصحراء فردوس الأرض.

إمبراطورية العلامة
الصحراء كما قال «بارت» إمبراطورية العلامة.
تعاليم الصحراء تسدى مجّاناً كلّ يوم للرعاة ولكنّها تتخلى عنهم بمجرّد أن يسكنوا الواحات ويتطاولوا في الزراعة في الحضارة الفاعل الرّئيسي في رواية «التبر» ومن خلفه الكوني ووراءهما الكاتب المثقف أو المبدع يخاف الإشارات، الصحراء علمته أن يتيقظ للإشارات. قالت له: «إنّه ليس في الحياة شيء يمكن أن يعادل الإشارة».
الإشارة هي القدر «هكذا قالت الصحراء هكذا سعى البطل إلى فكّ شفرة الإشارة والرّمز حين رسم معجماً تأويلياً لحركات قطيع الجاموس البرّي على جداريّة داخل كهف في الصّحراء، تأوّل الحركات والأحاسيس.
هذه بعض تجليّات الصّحراء وهيئاتها في قصص «التبر» و«القفص» من خلال الشواهد المدمجة دليل على أنّ المكان ليس مكاناً ولا حيّزاً عند إبراهيم الكونيّ بقدر ما هو عالم الخلق أو ذريعة الإبداع والكتابة، تصعيد للمواقف والأحداث، وقناة لتمرير المعارف حول حياة الصحراء وثقافتها الرّمزية ومنظوماتها المعرفية العالمية والشعبية.
هي مكان أصل وحوافّها أو متعلقاتها كثر، جمع يرتدّ إلى المفرد ومفردّ يمتدّ في الحشد.
وهي إذا ما رمنا البحث في علاقة الذات المبدعة بالآخر بالأشياء. لا تخرج حسب رأينا بحال من الأحوال عن هذه الاعتبارات.
هي: نسغ هويّة وعلامة وجود، وانغراس وتأصيل.
وهي سبيل إلى الطّهارة ومرقاة إلى النقاء ومركبة. تراوحٌ بين منزلة المقدس ومنزلة المُدنس.
وهي شجنٌ وطوق، غربة وألم وسبيل كلّها حَزَن.
وهي سبيل انعتاق من صلابة الكينونة وشَيْئِيَّتِها وكثافتها إلى «طراوة» الوجود وأثيريّته.
الصحراء كما رأينا في الشواهد تفاعلات بحسب الزمان (المقيل، المساء، والفصول: الشتاء، الربيع، الصيف) بحسبها وبحسب تناوبها، يصف الواصفُ الموصوفَ بكيفيّات مختلفة وبمعجم متباين ومن زوايا متعدّدة، هي إذن كائن حيّ فاعل وليست مكاناً للفعل، فقط. والصحراء إلى كلّ ذلك هي حركة. وبما أنّها حشد وبما أنّها فاعل فهي فواعلٌ، بعضُها كان مساعداً في بعض المواقف وبعضها كان معارضاً في بعض الصور والأحداث.

وظائف المكان
ينهض المكان في المدوّنة «الكونية» بعدّة وظائف، بعضها ذكره الروّاد من نقاد الغرب وبعضها يُشتقّ من النص اشتقاقاً، أهمّها:
الوظيفة التعليمية الأخلاقية وربما الوعظيّة وتظهر أساساً في علاقة الأبلق بصاحبه، وعلاقة الشجرة بالمجتمع القبلي الصحراوي وعلاقة منظومة المعرفة بالضّمير الجمعي.
الوظيفة المعرفيّة وتظهر في الحكم والمعارف في طقوسه السحر، الموت والولادة، في خريطة الصحراء ومضارب القبائل وأسمائها وجدّاريّات جبالها وكهوفها والتصاوير وهيئاتها. في تحوّلات المناخ والفواعل في الصحراء (الجنّ، الهواتف، السّحرة)
بهذه الوظيفة يرتقي إبراهيم الكونيّ من النصّ الروائي إلى العمل الفلسفي التفكيكي إنّه بَحْثٌ في أركيولوجيا الصّحراء.
الوظيفة الجمالية الفنية أو الاستيطيقية:            
حيث تكون الصّحراء لبنة من لبنات البناء، أيّ أنّ النصّ الأدبي إضافة إلى الغايات المعرفية الحضارية المذكورة يدعو إلى الاستمتاع بالسّرد، بالرّمز وبالتخيّيل لأنّ «الواقعي» أيّ الصّحراء الواقعية ليست هي صحراء الرّواية وإن كانت تُضارعها أو تتماهى معها، هي مقدودة بالكلم بالعبارة والإشارة.
الوظيفة السرديّة (وفيها خلاف بين النقاد) حيث يكون المكان ذريعة للسّرد وذريعة للكتابة أخيراً.
وترتبط بها وظيفة أسمّيها وظيفة ترسيخ النصّ في جنسه الأدبي.
وثمّة وظيفة فلسفيّة أنطولوجيّة تنهض بها الصحراء في مدوّنة الكوني، مستعارة من تعاليم الفلاسفة ومقالاتهم.
إنّها وظيفة البحث عن مواصفات الكينونة. إنّها مجمع سيمياء أو هي عرش الكائن الخفيّ الغامض.
ومَنْ هو إنْ لم يكن خالق النصّ ومبدعه؟!