يوسف الشريف

كثيراً ما حاولت القبض على جملة أبدأ بها الكتابة عن هذا الفنان الذي يفيض باللون، علي العباني، فما استطعت، الكتابة عنه هي بالنسبة لي من السهل الممتنع، ولأن خلف ما يبدو من لون ظاهر في فضاءاته توجد أسئلة تبحث عن عوالم أخرى تكتظ بأسئلة أخرى لألوان أخرى، وكما في جميع أشكال الإبداع وصوره، يتفق كل متابع لها أن السؤال هو روح اللوحة أو القصيدة أو القصة، يكفي أن يثير أي منها سؤالاً في عقلك ووجدانك، السؤال بمعنى الدهشة، كل شيء يتخلق من الدهشة، هنا تكمن قيمتها، قيمة أي إبداع أن تستفز في معرفتك سؤالاً، وليس عليك أن تبحث عن إجابة جامعة مانعة بين زوايا اللوحة أو خطوطها وظلالها، لأنك لن تجدها، كل لون في كل الألوان، ما تبحث عنه تجده في الأعمال المدرسية، ويمكن أن تراه في المراحل الأولى من تجربة أي فنان، أما بعدها فإنه يصبح في رحلة بحث دائمة عن لوحة مكتملة يرسمها ويستريح، ولكنه لن يفلح في إنجازها، هي بصورة أو بأخرى كأنها مدينة فاضلة يكمن وجودها في البحث عنها، لأنها تمثل الغاية القصوى والجمال الأقصى، المطلق.

تلك هي قيمة الحياة، في البحث عنها يتخلق جمالها، وللوصول إلى هذه الغاية، يظل الفنان يرسم لوحة بعد لوحة ودون توقف، ولعل بيكاسو كان حقيقياً جداً عندما تمنى أن يرسم مثل طفل لينجز لوحته المكتملة، لا توجد لوحة مكتملة، لا يجب أن تكون مكتملة، إذا اكتملت وتحولت إلى لوحة تشريحية، علينا أن نبحث عن شيء آخر غير مكتمل. نحن دائماً هكذا نبحث عن السؤال الخفي، ولا نبحث عن السؤال الواضح في زواياه وخطوطه، الذي يقدم لنا كل الأجوبة، هكذا عمل نرفضه لأنه يفترض أن عقولنا مقفلة، نحن نريد أن نبحث عن الأجوبة بأنفسنا، أنت لن تتهم بالغباء إذا قلت إنك لم تفهم هذه اللوحة أو تلك، كل ما في الأمر أنك لم تستطع التخلص من دهشتك.
والفنان علي العباني وهو يغرق حتى التلاشي في اللون بمعنييه الجمالي والنفسي، يجسد كل ما أرمي إليه، هو يعشق اللون حد التصوف، وفي الشتاء لا يحب إلا المطر، أم الأوان، ولأنها تأتي بالربيع وفي الفصول، يتمنى لو أن كل الفصول ربيعاً. اللون عنده يعني فرح الحياة، هو يؤكد أن «في البدء كان اللون» ولعله في ما مضى من تجربته، بل وما سيأتي منها، سيظل يركض باحثاً عن «لون» هو على يقين أنه سيلقاه، هو يكاد يلمسه ويحس بحرارته، ولذلك نجد هذا الإصرار منه على البحث عن مدينته الفاضلة، الحافلة بألوان لا يراها ولا يعرفها إلا هو…
في بداياته كان السكون في اللون هو السائد عنده، كل شيء مصفوف بعناية وبترتيب متأنٍّ، كل شيء مطمئن ويرفض القلق والبحث في أسئلة اللون، ثم كان الطيران والتحليق في الأفق الأعلى.. البعيد الموغل في البعد، اختار أن يكتشف كيف يكون اللون في هذا الأفق.. هنا نرى سماء غالباً ما تكون صافية، ونرى فيها غيوماً صغيرة، وعلى الأرض الخضراء نرى ما يمكن أن يعبر عن حلمه بفردوس صغير لم يفقد عذريته، لوحات متتالية تمنحك سكينة ملائكية، تستغرق فيه بكل وجدانك ومشاعرك، هنا لا أسئلة، لا قلق، لا بحث عن أي شأن.

  • علي العباني
    علي العباني

وفي مرحلة تالية جرى تغير في المشهد اللوني.. بل لعلي أتجرأ وأقول: انفجار لوني، غابت تلك الغيمات القطنية، وغابت تلك التي كنا نراها بيوتاً في فسحة الأخضر اللانهائي، هنا ذهبت الأسئلة إلى الأبعد، وتصادم اللون في اللون، وانبثق لون من لون، وواجه الفنان أسئلته الصعبة. وليس عليك هنا أن تسأل عن ماذا تعني، في كل لوحة فنية هناك سؤال، كل لوحة لها موضوعها ولها سؤالها، وهي تتوقع أن نبحث عنه، لا توجد لوحة مكتملة، لا يجب أن تكون مكتملة، إذا اكتملت وتحولت إلى لوحة تشريحية، ولو كان هذا صحيحاً، لعاد علي العباني إلى مرحلة خطوطه الأولية من تجربته، يجب ألا نفهم الكل.. هكذا تنتهي الأسئلة…
في لونه يوجد المعنى الخفي، ندركه ولا نفهمه.. يهزنا.. يدهشنا.. ننتشي به، ولكن فيه ما هو مستتر، وعليك أن تجتهد لتكتشف ما خلفه.. هنا المتعة القصوى.. أنت بقدر ما تحب.. بقدر ما لا تفهم.. كأنها حبيبتك.. كلما تمعنت فيها، اكتشفت شيئاً جديداً فيها…
هكذا علي العباني في أسئلته.. يعشق الحياة، ويرفض القبح في البشر، ولعل هذا الرفض هو الذي يجعله يطردهم من لوحاته في المرحلة الراهنة من رحلته الفنية، أنت لا ترى وجهاً في أي منها، يطردنا جميعاً ليبقى هو واللون فقط، كأنه يعيدنا إلى تخلق الكون في بداياته عندما انفجرت تلك الكرة الغازية، ثم تحولت إلى كتل صخرية باردة عرفت في ما بعد بالقارات، هذا سؤال مهم ولن نبحث عن إجابته عنده هو، سنظل نتابعه ونحاول أن نفهم..
وفي التصوير ليس في إمكاني معرفة سبب عشقه للصورة، هل هو اعتراف بتفوق الطبيعة في مشهديتها الجمالية.. هل هو بحث عن لون مفقود، كيفما هي الإجابة، فإنه سيواصل البحث.