محمود إسماعيل بدر (الاتحاد)

تحتفي الأوساط الثقافية وبخاصة العربية في شهر أكتوبر من كل عام بذكرى ميلاد الشاعر والروائي والمسرحي الإسباني أنطونيو غالا فيلاسكو (قرطبة - 2 أكتوبر 1930)، وذلك لاعتبارات كثيرة، أهمها ارتباطه الشديد في تجربته الحياتية والكتابية بالحضارة العربية والإسلامية، حيث يقول عن نفسه إنّه أندلسي الهوى، وقرطبي بشكل خاص: «لسنا وحدنا في هذا العالم، ولا يمكننا الارتجال في كل شيء، إذ لا أحد يستطيع أن يتقدّم دون أن يتذكر، لا يوجد مستقبل من دون ذاكرة، أحمل اسم الأمويين في روحي، وعلى جبهتي اسم بني عبّاد، وفي قلبي محفور اسم الأندلس، وغرناطة بني نصر، إنّه من دون فهم ومعرفة الثقافة العربية والإسلامية لا يمكن فهم إسبانيا». 

أجمل المعاني
وينفرد غالا بتجربة غنية ومتنوعة في الإنجاز الإبداعي الذي يبدو فيه الاسم العربي حاضراً بقوة على مستوى الصياغة والعناوين والإشارات إلى استثنائية الانتماء، فقد أصدر كروائي «المخطوط القرمزي» و«غرناطة بني نصر» و«الوله التّركي»، وكشاعر رفيع المستوى، أصدر مجموعة من الدواوين أهمها: «العدو الحميم» و«شهادة أندلسية» و«قصائد الحبّ» و«الجسر»، و«قصر الحمراء». ويقول غالا في هذا السياق إنه خلال قراءاته المتنوعة العديدة، أو عند كتابته لأي مؤلف جديد حول الحضارة العربية، فإنه يكتشف كل يوم: حقائقَ مثيرة تدعو للتفكير، والتأمل والإعجاب حقاً. فأجمل المعاني وأروع الأشياء في إسبانيا جاءت من الحضارة العربية، بل إن أجمل المهن، وأغربها وأروعها، وكذلك ميادين تنظيم الإدارة والجيوش، والفلاحة والملاحة، والطب والاقتصاد، والعمارة، والبستنة والري، وتصنيف الألوان والأحجار الكريمة، والصناعات التقليدية، كل هذه الأشياء التي يفخر بها الجميع اليوم في إسبانيا، تأتي وتنحدر من الثقافة العربية وحضارتها، وهذا لم يحدث من باب الصدفة أو الاعتباط، فالعرب والأمازيغ أقاموا في هذه الديار زهاء ثمانية قرون، وظللنا نحن نحاربهم ثمانية قرون لإخراجهم من شبه الجزيرة الإيبيرية، فكيف يمكن للمرء أن يحارب نفسَه؟.

  • غلاف «المخطوط القرمزي»
    غلاف «المخطوط القرمزي»

حقول عدن
وغالا الذي حصد جائزة «أدوناي» الشعرية، وعمره 29 عاماً، إلى جانب كتابته للشعر والرواية، هو أيضاً مسرحي من الطراز الأول، فقد حصل على الجائزة الوطنية لمسرح كالديرون، عام 1963، عن مسرحيته الشهيرة «حقول عدن الخضراء»، وله مسرحيات مهمة منها: خاتمان من أجل سيدة، وترجمها إلى العربية عبداللطيف عبدالحليم، ونشرت في سلسلة «عالم المسرح» في الكويت في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، ومسرحية لماذا تجري يا أوليس؟، سمرقند، كارمن، المارقة، وكتبها عام 1992. وتعد رواية «المخطوط القرمزي» من أهم أعماله الروائية التي نال عنها جائزة دار نشر بلانيتا سنة 1991، وهي عن أبي عبدالله الصغير، آخر ملك عربي حكم الأندلس، في محاولة، حسب قوله، لرد الاعتبار وتصحيح الصورة السلبية عن هذا الحاكم المظلوم تاريخياً على أساس الزعم بأنه متخاذل ومسؤول عن ضياع الأندلس، ومن ثم تغيير صورته المألوفة في كتب التاريخ، فلم يكن أبداً جباناً ولا انهزامياً. وآخر رواية كتبها غالا، حملت عنوان «قاعدة التماثيل»، وفيها جولة عبر الشخصيات الرئيسية التي سادت في القرنين 15 و16، من تاريخ إسبانيا.