أحمد عثمان  (باريس)

عن مطبوعات «روبير لافون» الشهيرة، صدر مؤخراً مجلد يجمع ثلاث روايات: «أفول آلهة السهب»، «شتاء العزلة الكبيرة» و«الحفل الموسيقي» للروائي الألباني الشهير إسماعيل قاداريه عن عزلة بلاده الكبيرة زمن أنور خوجة. 
الروايات الثلاث قصص سياسية ذات نزعة انشقاقية عن عصر قطعت ألبانيا فيه علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي والصين، لكي تنقطع عن العالم وتحيا في ظل اكتفاء ذاتي كامل. القطيعة مع موسكو، التي جرت في 1961، ‬تعتبر ‬في ‬الواقع ‬الموضوعة ‬الرئيسية ‬لرواية «شتاء ‬العزلة ‬الكبيرة‬»، ‬بينما ‬تسرد «‬الحفل ‬الموسيقي» ‬قطيعتها ‬مع ‬الصين. 
 لوحتان جداريتان يحتل أبطالهما وحياتهما الخاصة مساحة كبيرة في عالمها، وكذا الأساطير البلقانية والتقاليد الألبانية التي سوف تشكل لاحقاً أحداث روايات أخرى، مثل «الجسر ذو الثلاثة أقواس» أو «أبريل المهشم». يمتلك سرد الأحداث بعداً شكسبيرياً... ألم يكن قاداريه متأثرا بـ«ماكبث» منذ سن الثالثة عشرة؟! 
من الممكن أن نرى في «أفول آلهة السهب» المكانة التي أولاها قاداريه للأدب وعلاقته بالواقع. يمضي الكاتب إجازته في بيت مخصص لاستجمام الكتاب في مدينة ريغا، قبل عودته إلى معهد غوركي في موسكو. محرَّراً من الأوهام، ووصف بكثير من السخرية ديكور محطة الحمامات عديمة النفع والمقيمين من الكتاب أنصار الأدب الرسمي.
بعد سهرة دعا صديقة لرؤية الأماكن: «قيء الموضوعات! هكذا يسمونها. في ليال كهذه الليلة، يتبادلون حكي موضوعات لن يكتبوها أبداً. البعض يبدأ في القيء، ولهذا تسمى السهرات باسمها». ومع ذلك، لا يمتنعون عن الإمساك بأقلامهم: «لا يكتبون أبداً ما تبادلوه هذا المساء، وإنما يكتبون أشياء أخرى، عكسها تماماً».
في بداية الستينيات، شك إسماعيل قاداريه في مسيرته الأدبية كروائي، حتى صدور روايته «أفول آلهة السهب» - التي تعتبر، حسب اريك فاي، ذروة أزمته الوجودية، خلال سنوات دراسته في موسكو، التي دعته للتخلي عن الكتابة - ولكن، تلاشى الريب وأصبح إسماعيل قاداريه من أبرز الروائيين العالميين.