في شهر أغسطس الماضي فقد لبنان والعالم العربي أحد أبرز علماء الاجتماع فيه، ممن امتدت ثقافتهم إلى مدارات فكرية وفلسفية ونقدية عدة، خوّضت كثيراً في شؤون الحداثة والدين والعلمانية والدمقرطة والمواطنة والمجتمع الشبكي والعولمة والهوية الثقافية ودواعي تشكلها وتفككها وانقلاب صورتها في عصر العولمة المتجددة.
إنه د. عبد الغني عماد، ابن مدينة طرابلس اللبنانية والعميد السابق لكلية العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، ومن المشتغلين بدأب ومنهجية علمية صارمة على الموضوعات السوسيولوجية غير التقليدية، والتي تناولت فيما تناولت، تغيير الطبيعة السوسيو/‏‏ ثقافية والسوسيو/‏‏ تاريخية للشعوب العربية.

مؤلفات عديدة تركها د. عبد الغني عماد من أهمها: «سوسيولوجيا الثقافة: المفاهيم والإشكالات.. من الحداثة إلى العولمة»، و«صناعة الإرهاب»، و«سوسيولوجيا الهوية.. جدليات الوعي والتفكك وإعادة البناء»، و«منهجيات البحث في علم الاجتماع.. الإشكاليات، التقنيات، المقاربات» وغيرها.

قوة الأنموذج المعولم
ومسألة العولمة الثقافية تحديداً وعلاقتها بالعلوم الاجتماعية، كانت في طليعة الأفكار التي تطرق إليها الراحل في كتبه ومحاضراته وتنظيراته، فقد كان يرى أن العولمة الثقافية باتت في عالم اليوم محوراً بحثياً مهمّاً في العلوم الاجتماعية، فهي كظاهرة تقدم أنموذجاً ثقافياً متميزاً ينتشر في مختلف أنحاء العالم ويخترق الهويات الثقافية للمجتمعات، ويسهم في إضعاف سلطتها على التحكم في ما يقدم لشعوبها من منتجات وأفكار وسلع فكرية وثقافية، والفضل في ذلك يعود إلى التوظيف المكثف للإعلام ووسائل الاتصال الحديثة التي تتعاظم قدرتها وكفاءاتها باستمرار على اختراق الحواجز القائمة على خطوط التماس الثقافية والسياسية والإيديولوجية. وتبرز في هذا المجال قوة هذا الأنموذج الثقافي المعولم بكونه لا يعتمد كثيراً على المكتوب بقدر ما يعتمد على الأدوات الوظيفية الفعالة، والتي يشكّل مجال الاتصال السمعي البصري مرتكزها الأساسي من خلال الاستعمال الكثيف لتقنيات الصوت والصورة والرموز والإيحاءات.

  • غلاف «سوسيولوجيا الثقافة»
    غلاف «سوسيولوجيا الثقافة»

مفهوم التثاقف
على أن الواقع يشي بأن العلاقة بين الثقافات كانت محور دراسات ومناقشات العالم لفترات طويلة، صاغت بنتيجتها الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع الثقافي مفاهيم ثرية، منها مفهوم التثاقف الذي شاع استعماله بين العلماء، ومفهوم الاستلاب الذي سبقه، والذي ارتبط بتحليل الآثار السلبية العميقة للاستعمار. وعلى هامش هذين المفهومين كتب عن الهيمنة الثقافية والإمبريالية الثقافية والغزو الثقافي، وكتب أكثر عن مفهوم الهوية والانتماء والأمة والخصوصية والنسبية الثقافية. فهل تكفي هذه العدة المفهومية المتداولة لتحليل الآثار التي ستتركها العولمة أم أن الواقع تجاوزها، ولابد من عتاد ثقافي ومفهومي آخر يمكنه أن يتواصل مع هذه الظاهرة استيعاباً وتحليلاً ونقداً؟

الهيمنة ثمرة للعولمة
ليست الهيمنة ثمرة للعولمة فحسب، لكنها أحد أركانها، فالعولمة ليست أنموذجاً عالميا للحياة نشأ كحصيلة تفاعل طبيعي بين الثقافات، لكنه نظام جديد من العلاقات بين الثقافات نشأ في سياق صراع التكتلات الرأسمالية الكبرى على الهيمنة العالمية. إنه يعكس، إذاً، هذه الهيمنة في بنيته العميقة ويكرس الموقع المتميز للغرب فيها، بقدر ما يعكس المشاركة الرئيسية للرأسمالية العالمية في ثورة المعلومات. وتلعب هذه الهيمنة، بما يلحقها من تطورات تقنية وتبدلات جيوستراتيجية، دوراً أساسياً في دمج الأبعاد والدوائر الثقافية المختلفة، وبالتالي إنشاء فضاء ثقافي مشترك، قائم فوق الثقافات القومية، يسمح لمنتجات الثقافة العالمية الجديدة، باعتبارها سلعة، أن تروج وتنافس منتجات الثقافات الأخرى إلى حد كبير. ولذلك فالعولمة تعني بالضرورة التغريب، باعتبار أن اللاعبين والفاعلين الأقوى في فضائه يملكون الرأسمال الأكبر في الإنتاج الثقافي المادي والمعنوي الذي يملأ بشكل مطرد الفضاء العالمي الجديد الذي أنشأته ثورة المعلومات. والذين يتحدثون عن التغريب اليوم يقصدون ما يمكن أن يؤدي إليه الانتشار الواسع لمنتجات الثقافة الغربية من آثار مخربة في الهويات الثقافية للشعوب والجماعات البشرية المختلفة.

اندماج المحاكاة والتمثل
ومع أنه لا تجوز المبالغة في هذا الأمر، فالعولمة ليست هي المنشئة لسيطرة ثقافة على ثقافة، بقدر ما هي منشئة لنمط جديد من العلاقات يتميز بعناصر وآليات واستراتيجيات من نوع مختلف يمكنها أن تؤدي إلى الهيمنة.
وهنا تكمن المخاطر التي تهدد الهوية الثقافية لأي جماعة مستقلة، فإذا فقدت هذه الجماعة تميزها الثقافي، فقدت هويتها الخاصة التي تميزها، واندمجت مع غيرها من خلال المحاكاة أو التمثل أو الخضوع، ولا يبقى لها بالتالي سوى ملامح فولكلورية أو تاريخية جامدة.  إن الهيمنة بقدر ما تزيد قوة ثقافة ما، تضعف الثقافات الأخرى وتجعلها باهتة ضعيفة المردود. وهذا ما يفسر موت ثقافات وتحجّر ثقافات أخرى. وكذلك تطور ثقافات ثالثة وانتشارها ووصولها إلى مستوى العالمية، متى احتلت مركزاً في ثقافة الحضارة السائدة واغتنت بجميع المفاهيم والأذواق والمعارف المبدعة التي تنشئها القوى الحضارية.
عندما تبلغ الهيمنة الثقافية درجة متقدمة وتتفاقم التبعية الثقافية، يصبح معيار التقييم والمفاضلة بين الثقافات الخاضعة محصوراً في تقليد «النموذج» المتفوق. وتعيش الثقافة المغلوبة «أزمة هوية»، وتعيش حالة الاستلاب والاغتراب.

  • عالم الاجتماع العربي الراحل عبد الغني عماد
    عالم الاجتماع العربي الراحل عبد الغني عماد

الثقافة تحتاج إلى دولة
ومن جهة أخرى يرى د. عبد الغني أن الثقافة، بما هي هوية ناقصة في جوهرها وغير مكتملة، تحتاج إلى أن تستكمل ذاتها بالدولة لتصبح هي ذاتها حقيقة. والنزعة القومية الرومانسية تحتفي بهذا الفهم، لأن من حق كل قومية وإثنية أن تكون لديها دولتها التي تحقق من خلالها هويتها. ولهذا فإن الدولة التي تضم أكثر من ثقافة محكوم عليها بالقلق والاضطراب والفشل. إن هذا الافتراض بوجود رابطة باطنية بين الثقافة والسياسة، هو الذي أدى ويؤدي إلى حروب كثيرة في العالم الحديث، حيث تتنافس جماعات قومية ودينية مختلفة من أجل السيادة على قطعة أرض واحدة. لقد قام العالم بصورته المعاصرة على صيغة الدولة - الأمة، ويبدو عسيراً مع العولمة تصور أن هذه الهوية السياسية يمكن أن تهيئ حوافز عميقة الجذور كما تفعل الهوية الثقافية.

الشمولية الكاملة
وبقدر ما أرست الثقافة بصفتها سياسة، قاعدة «الدولة - الأمة»، فإنها تهدد اليوم بابتلاعها بصفتها (أي الثقافة) هوية. وهي بهذا تطرح بصيغتها المعولمة إشكاليات معقدة، فكما سبق وتصور البعض أن آلة الغرب القوي تتوسع إلى حدود انعدام الأمكنة التي تسعى لابتلاعها، وعندها تبدأ بالانفجار من داخلها. وهذا التصور يقود إلى خلاصة مفادها أن أي نظام ليست له حدود واضحة، سوف يعاني من «أزمة هوية» على أقل تقدير، إذ كيف يمكن لمنظومة أو هوية أن تعولم ذاتها من دون أن تختفي؟! إن ما بعد الحداثة، هو ما ينتج من تضخم منظومة أو هوية إلى الحد الذي تبدو فيه وكأنها تنفي كل أضدادها، بحيث يبدو من ثم أن لا منظومة أو هوية هناك. إن الشمولية الكاملة، إذ تمتد إلى حدها الأقصى، تفرّخ الجزئيات العفوية، بحيث تصبح الهوية هي الاختلاف.