لا حدود ولا حواجز ولا عوائق في تجربة الفنان المغربي المعاصر رشيد باخوز (1976-...)، فكل شيء مباح وممكن لديه في إطار اشتغال مفاهيمي معاصر، أساسه رؤية تتأصل من أبعاد اجتماعية أو فلسفية أو سياسية أو لغوية أو ثقافية... وغيرها الكثير من المواضيع والأبعاد التي تتداخل وتتعدد داخل أعماله البصرية الجمالية، المتنوعة من لوحة وأنستلايشن (التنصيب الفني) وبرفورمانس (الأداء الفني) وفن فيديو وتركيب وحتى النحت... وهذا التعدد يجعل الاشتغال على الحروف لديه يتخذ أشكالاً مختلفة الحضور، ما يمكّن الفنان من التعبير بأريحية وحرية أكبر.
متعددة هي أساليب الاشتغال عند رشيد باخوز إذن، والأعمال بقدر ما هي منفصلة لها ذاتيتها الخاصة، فهي متحدة جذمورياً في ما بينها داخل تجربة واحدة، ضمن مزج يبتغي منه الفنان أن يفتح الرؤية على اللاحدودية في الفن، وكسر مفهوم موت «اللوحة»، من حيث إنه مخلص للقماشة والصباغة مهما انعطف عنها إلى اشتغال معاصر عماده التجريب المستمر، إذ إن الفن لا يلغي بعضه بعضاً آخر، بل يدمج ماضيه في حاضره نحو بحث مستمر على التجدد.

نشدان السلام
هذا الإدراك العميق عند رشيد باخوز، بتعدد التعابير الفنية، يوازيه الإدراك بأن الفن «يستطيع أن يرفع الإنسان من حالة التمزّق إلى حالة كائن كلي ومندمج»، إذ يجعلنا الأثر الفني عند هذا الفنان، وخاصة عمله التنصيب الفني‏ بلا ‬عنوان (‬في ‬معرض ‬باب ‬الكبير، ‬2016)‬، ‬حيث ‬تتدلى ‬أحرف ‬بالعربية ‬واللاتينية ‬والعبرية ‬من ‬على ‬أعواد ‬فوق ‬رماد، ‬يجعلنا ‬أمام ‬تساؤلات ‬عدة ‬متعلقة ‬بأسئلة ‬من ‬قبيل: ‬هل ‬العالم ‬يصير ‬إلى «‬موت ‬الحضارة» (‬فكوياما) ‬أم ‬إلى «صراع ‬الحضارات» (‬هنتجتون) ‬أم ‬إلى «‬الحضارة ‬الإنسانية» (‬تدوروف)‬؟ ‬ويميل ‬هذا ‬الفنان ‬إلى ‬الطرح ‬الأخير، ‬معتبراً ‬أن ‬المستقبل ‬الإنساني ‬ينحو ‬نحو ‬الحضارة ‬الواحدة، ‬حضارة ‬إنسانية ‬يتعايش ‬فيها ‬كل ‬البشر ‬باختلافاتهم ‬الهوياتية ‬والثقافية ‬واللغوية، ‬منشدين ‬السلام.

رؤية ‬كونية ‬للتسامح
أما ‬بخصوص ‬الأنستلايشن «‬ترميم ‬أو ‬فَرَّاكَة» ‬الفنية ‬والفيديو ‬الفني ‬المكمل ‬لها «‬فراكة ‬2»‬، ‬فرشيد ‬باخوز ‬يدعو ‬من ‬خلالها ‬إلى ‬ضرورة ‬إعادة ‬النظر ‬في ‬الخطاب ‬اللغوي ‬المتداول ‬في ‬جغرافيتنا ‬العربية ‬خاصة ‬الممتدة ‬من ‬المحيط ‬إلى ‬الخليج ‬بكل ‬تعدداتها ‬الإثنية ‬واللغوية ‬والدينية (‬الإسلامية ‬والمسيحية ‬واليهودية...)‬، ‬ولهذا ‬كان ‬من ‬الضروري ‬تنظيف ‬الحروف (‬فركها ‬وغسلها) ‬ونشرها ‬وتجفيفها، ‬تحسيساً ‬بحوار ‬حضاري ‬تفاعلي ‬بين ‬الثقافات، ‬وتجمع ‬الأنستلايشن ‬بين ‬العربية ‬والعبرية ‬واللاتينية ‬في ‬اشتغال ‬جمالي ‬عماده ‬رؤية ‬كونية ‬للتسامح ‬والتعايش.

التأويل والمتاهة
ويشتغل هذا الفنان على مركبات خشبية (تمزج بين اللوحة والإنشاء الفني) معلقة على الجدار، يأتي الحرف فيها منسحباً ومنفلتاً من الإطار، الذي يتوسطه الفراغ، في إحالة بأن «الموت» ما هو إلا حياة أخرى، أو ميلاد بأقل تعبير، موت اللوحة في هذه الحالة، والتي تجاوزت شكل حضورها القديم. ويعمد باخوز إلى خلق حركة في الفراغ، فالفراغ من أسس الاشتغال الفني في الفن المعاصر، من حيث ما أحدثه من خلخلات وانزياحات كبرى في المفاهيم الفنية، وخاصة داخل التنصيب والتركيب الفنيين، وليس الفراغ هنا إلا سمة وجودية تبحث عن نفي الكمال، من حيث استحالته، إذ إن الكمال يوازيه العدم، وما غاية الفنان إلا تجاوز العدم عبر التشظي، تشظي الفنان والمتلقي على حد سواء، ما يجعل إمكانية التأويل الذي يقدمه العمل، تأويل العالَم، مضاعفاً ومفتوحاً ولامتناهياً، في ما يمكن أن نصطلح عليه بـ«المتاهة الهرمسية»، حيث لا يسعى التأويل إلى بلوغ غاية محددة ونهائية، بل إنه يسلك كل المسارات والطرق الممكنة التي قدمها الكون الفسيح، الذي يصير في حد ذاته نصاً لامتناهيَ التأويل، ما يجعلنا بعيدين عن السقوط في أي حتمية مطلقة تقود إلى العدم، إذ إن الفن ما هو إلا نفي للميتافيزيقا القائمة على نفي الحياة لصالح العدم، عبر جعل العالم ذا غاية واحدة ووحيدة.. فالفن مشروع لتجاوز الميتافيزيقا التي تتعالى على كل إمكانية البقاء قيد الأرض وتقاسمها والتعايش فيها، وذلك ابتغاء القضاء على العدمية.

أرض السلام
يقدم لنا إذن رشيد باخوز، أعمالاً فنية عامرة بالعلامات التي تنفتح على علامات أخرى في متاهة جمالية، في سلسلة لامتناهية من الإحالات، التي يسعها الكون الإنساني كلها، رسماً لخريطة كونية تسع كل البشر بمختلف ألسنهم وثقافاتهم وحضاراتهم وأديانهم... مُزيحاً أيّ تصور للصراع أو التصادم، ومنادياً بالتعايش والتسامح والسلام.