نوف الموسى (دبي)

بمرور الذكرى الأولى لرحيل الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ، في العشرين من أغسطس الماضي، احتفت مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، بسيرة الحداثة والتجديد في مسيرته الشعرية، عبر ملتقى افتراضي، افتتحه مساء أول من أمس، الدكتور سليمان موسى الجاسم نائب رئيس مجلس أمناء المؤسسة بكلمة ترحيبية، أكد فيها تجاوز تجربة الشاعر حبيب الصايغ للآفاق المحلية والخليجية نحو الأفق العربي الفسيح، مجدداً في شكل القصيدة وإيقاعها ومضامينها، بأنماطها الثلاثة: العمودي والتفعيلة والنثر.
وشهد الملتقى الافتراضي، عرض فيلم بعنوان «وهج الشعر والحياة» عن مسيرة الصايغ الشعرية والإعلامية، لتبدأ بعده الجلسة الأولى بإدارة الشاعر إبراهيم الهاشمي، ومشاركة الأكاديمية والناقدة د. مريم الهاشمي، متناولة بلاغة الغموض وحضور الحضارة، في مدلولات شعر حبيب الصايغ، بينما ناقش الناقد سامح كعوش، علاقة حبيب الصايغ بالمكان باعتباره أمام خلق ذكي، ينشد تغير الوجود، ويعبث في تفاصيله الصغيرة، وتركزت ورقة الشاعر د. محمد عبدالقادر سبيل حول «استهلاك المستقبل.. غربة حبيب الصايغ المضاعفة»، وقدم الشاعر سعيد الصقلاوي رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، أبعاد المناخ الذي نشأ فيه حبيب الصايغ، وتحديداً أثر حضور الصحافة في الستينيات بمنطقة الخليج العربي. 
وفي ورقتها: «صناعة الذات الشعرية عند حبيب الصايغ»، أوضحت د. مريم الهاشمي، أن بلاغة الغموض وصورة الحضارة، لا تلتحم بالنص الشعري إلا بعد توفر جملة من الشروط الاجتماعية والمادية والثقافية، وبرهنت الكتابات والدراسات النقدية أن الوعي بالظاهرة الشاعرية المعاصرة، يتجه يوماً بعد يوم نحو التصدي لشمولية التجربة، والاستمرار في طرح بلاغة الغموض، مبينةً أن في قصائد الصايغ تأكيداً يهدف إلى ضرورة النظر إلى النص باعتباره نتاجاً لغوياً قبل كل شيء، وباعتبار اللغة التي كتبت بها، منفذاً لفتح المحاور الرئيسة المؤدية بعد إدماجها في بنية خارجية، إلى القبض على نواة النص.

  • الجلسة الأولى في الملتقى الافتراضي لمؤسسة العويس الثقافية (من المصدر)
    الجلسة الأولى في الملتقى الافتراضي لمؤسسة العويس الثقافية (من المصدر)

وارتحل سامح كعوش، في ورقته، نحو «رثاء الأمكنة ثراء الرؤى: جدل الكائن والمكان في نص حبيب الصايغ»، من خلال حب تأمل المكان الشعري لدى الصايغ وقراءة أسراره، حيث يصير العيش في المكان المحدد كئيباً وغريباً، تتداخل الموجودات بعضها ببعض، كما لو أنها تبحث في هذا التداخل عن خلق جديد، هذا ما أتقنه حبيب الصايغ، خلق غريب ومريب معاً، تصير فيه العوالم المتداخلة بوتقة لصهر جديد، يحيل الموجودات كلها إلى مادتها الخام الأولى، اللزجة، الطرية، وهو العبث بملامح المكان الذي يتحدى الشكل الأول الذي وجد عليه المكان والكائن، وبها يعيد الصايغ ترتيب طريقة عيشه وسلوكه وسيرة حياته وصيرورته، وإن هذا الزمكاني الجديد على يد الصايغ أقدر على التأثير الكلي بنا، لأن المكان في رؤيته مسرح الجريمة والاحتفال بهذا الخلق. 
وتساءل د. محمد عبدالقادر سبيل: «هل نبالغ حين نقول: إن الشاعر أولى بالاستبصار والحكمة والرؤية من غيره، وإن ارتباطه بالاستشراف أقوى وأحق من خبراء آخرين يعول عليهم في هذا الشأن»، وقرأ خلال الجلسة قصيدة للشاعر حبيب الصايغ: «الغد الطفل هل يكبر الآن حتى أحادثه، وألامسه وأبادله الأسطوانات، الغد الطفل هل يكبر اليوم، حتى أصارحه أنت لي أم عليّ». ويلتمس د. سبيل في قصائد حبيب الصايغ حالة تتجاوز مجرد أحلام اليقظة، نحو الاستجلاء والبحث عن تقليل درجة اللايقين، تجاه مآلات المستقبل، لأنه يريد المستقبل الذي يريده، لا سواه. وعبر شهادة شخصية عن الصايغ، تحدث سعيد الصقلاوي، عن المناخ الذي أثر على نشأة الصايغ، وحضور الصحافة الخليجية بشكلها الحديث المعاصر، مشيراً إلى أن الصايغ واكب فترة السبعينيات ومرحلة البناء والنماء، مروراً بالثمانينيات والتسعينيات، ما يجعله متصلاً بالتاريخ الاجتماعي والسياسي للمنطقة، ومؤرخاً لها، معتبراً أنه ليس من السهل الولوج إلى عوالم حبيب الصايغ الشعرية، وأنها تحتاج إلى أن يتسلح الباحث والناقد بالإمكانات والمناهج التي تمكنه من اكتشاف الغاية المرجوة.