محمود إسماعيل بدر (الاتحاد) 

هناك كتب وروايات ستقرؤها البشرية إلى الأبد، وهناك كُتّاب لا تتقادم أسماؤهم بمرور السنوات، الروائي والناقد الأدبي الألماني إريك ماريا ريمارك (1898 - 1970) من ذلك النّوع الفريد الذي لا تقرأ أعماله من قبل الأساتذة والأكاديميين والنّقاد فقط، بل من كل الفئات العمرية والشرائح البسيطة في جميع أنحاء العالم، حتى إنّه بذلك حصل على لقب «كاتب الشعب»، باعتباره واحداً من أكثر الكُتّاب قابلية للقراءة، فمعظم رواياته والتي لها مذاق خاص هي وثائق أصلية من وقته وحياته، متجنباً في صياغتها الكلمات الخيالية، مفضلاً لغة الرصانة وموضوعية السّرد، لخلق روايات مغتربة وأفكار فلسفية حول الجمال والإنسانية، كون معظم أبطاله الذين يعيشون في وضع صعب، يحملون في دواخلهم مفاهيم بديعة عن الصداقة والشرف والضمير والحب الصافي والوطنية في أبدية لا تتزعزع، وبخاصة في رواياته العالمية الشهيرة: ثلاث رفاق، الليالي في لشبونة، قوس النصر، الظلال في الجنة، طريق العودة، الموت في المنفى، إلى روايته الذائعة الصيت «لا جديد على الجبهة الغربية» التي حظيت مؤخراً بترجمة عربية أولى، من إصدار «دار أثر للنشر والتوزيع» في السعودية، وترجمتها عن الألمانية الشاعرة والمترجمة السورية ليندا حسين. 

  • غلاف الترجمة العربية
    غلاف الترجمة العربية

العنوان الأصلي للرواية المكتوبة عام 1929 هو «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» ويصف إريش فيها الضغوط الجسدية والنفسية والعقلية الفادحة التي تعرّض لها الجنود أثناء الحرب العالمية الأولى، والانفصال عن الحياة المدنية، كما يشعر به العديد من أولئك الجنود لدى عودتهم من الجبهة، وحققت الرواية التي ترجمت إلى نحو 56 لغة نجاحاً ساحقاً في أوروبا، حتى أصبح عنوان الرواية مرادفاً لعبث الحروب والموت المجاني للناس البسطاء في صراعات مأجورة ينتفع منها آخرون، ولقيمة الرواية الأدبية والفكرية والإنسانية الرفيعة، تم تحويلها عام 1930 إلى فيلم سينمائي للمخرج لويس مايلستون، حصل على جائزتي أوسكار لأفضل فيلم وأفضل إخراج، وأصبح من كلاسيكيات السينما المناهضة للحرب، ولكن كاتبها تعرّض لهجوم عنيف، لينتهي الأمر لاحقاً بحرق جميع كتبه في الساحات العامة، وسحب الجنسية منه عام 1938، ثم نفيه إلى سويسرا لتنتهي حياته الحافلة بالجدل هناك. 
لا نستغرب صمود هذه الرواية العظيمة لمدة قرن تقريباً من القراءة والترجمة، غير أننا اليوم وفي زمن اختلاق الحروب المجانية وصناعة الموت، قادرون على ترسيخ مكانتها أكثر عبر إعادة قراءاتها مرات ومرات، فهي العمل الأدبي الأهم الذي يهجو النّفاق البشري، بل كثيراً من البشر، ألماناً وغير ألمان، من شارك في الحرب ومن لم يشارك، وبذلك تظل الرواية الأكثر صدقاً وتعبيراً عن ويلات الحرب والتدمير، إنها رواية كتبها جندي ذاق ويلات الحرب وكتب عنها بمشاعر إنسانية صادقة ودامعة ومريرة، لتنبهنا إلى أن الإنسان يكون أحياناً أحمق إلى درجة تكرار أخطائه ذاتها بحذافيرها، ومنافق أحياناً أيضاً إلى درجة إلقاء الكذبات الممجوجة ذاتها قبل كل حرب لا تحدث إلا الخراب والخيبات.

شيء عن الكاتب
إريك ماريا ريمارك (1898 - 1970م)، روائي، وكاتب مسرحي، وكاتب سيناريو، من ألمانيا، ولد في أوسنابروك، أحد الكتاب الأكثر شهرة والأكثر قراءة على نطاق واسع من الأدب الألماني في القرن العشرين. اشتهر بفضل روايته «لا جديد على الجبهة الغربية»، توفي في لوكارنو، عن عمر يناهز 72 عاماً.