ارتبطتُ، شخصياً، بصداقة ثقافية عميقة جداً مع الشاعر اللبناني الكبير جوزيف حرب (1944 - 2019)، سببها الأساسي أننا جيران من الناحية الجغرافية، فبلدته «المعمرية» الكائنة في قضاء صيدا - جنوب لبنان، مجاورة لبلدتي «عنقون» في القضاء عينه، حيث كنت أزوره في منزله بين الفينة والأخرى، وكان هو يحرص على ردّ الزيارات لي في بلدتي، وأحياناً كنا نلتقي في بلدة ثالثة مجاورة لبلدتينا أيضاً: «مغدوشة» التي لها سحرها الخاص وإطلالتها الجبلية الفاتنة على البحر المتوسط ومدينة صيدا التاريخية. 
غير أن أكثر لقاءاتي بجوزيف حرب كانت تتم في منزله في قلب منطقة الحمرا في بيروت، خصوصاً بعد انفجار الحرب الأهلية اللبنانية البغيضة، وهي حرب دامت ما يزيد على الـ15 سنة، وما زالت ذيولها -مع الأسف- قائمة إلى يومنا هذا. وغالباً ما كان صديقي الشاعر حرب يطلعني على قصائده الجديدة، سواء أكانت بالفصحى، أم بالعامية اللبنانية، يقرأها أمامي، ويطلب مني إبداء الرأي فيها، وأحياناً كان يأذن لي بإجراء بعض التعديلات عليها، هكذا دونما تحفظ ضمني له أو علني. والأمر عينه كان يطلبه من أستاذه الشاعر اللبناني ميشال سليمان، صديق الشاعر العالمي بابلو نيرودا وأهم مترجم بإطلاق لبعض أشعاره إلى العربية، عن الفرنسية، في كتاب بعنوان «سيف اللهب».

ومنذ عام 1976 من القرن الماضي، وحتى رحيله عام 2014، كان الشاعر جوزيف حرب، على صداقة إبداعية وثيقة مع أيقونة الغناء اللبناني والعربي الحديث: السيدة فيروز، وقد قرّبه منها نجلها الفنان الكبير زياد الرحباني، الذي كان مأخوذاً بشعرية صديقه وبشخصيته الفكرية، على وجه الإجمال. 

16 قصيدة لـ«جارة القمر»
وقد أثمرت تلك الصداقة عن أكثر من 16 قصيدة كتبها الشاعر حرب، وغنتها «جارة القمر»، ولحنها زياد نفسه وفيلمون وهبي، باستثناء أغنية «لبيروت» التي هي من ألحان يواكيم رودريغو. ومن هذه الأغاني التي كتب أغلبها الشاعر حرب بالمحكية اللبنانية، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: «حبيتك تنسيت النوم»، «أسامينا»، «زعلي طوّل أنا وياك»، «ورقو الأصفر»، «لمّا عالباب»، «طلعلي البكي»، «خليك بالبيت»، «إسوارة العروس»، «يا قونة شعبية» وقصيدة «لبيروت» المكتوبة بالفصحى والتي تقول: «لبيروت/‏‏‏‏‏‏ من قلبي سلام لبيروت/‏‏‏‏‏‏ وقُبَل للبحر والبيوت/‏‏‏‏‏‏ لصخرة كأنها وجه بحار قديم/‏‏‏‏‏‏ هي من روح الشعب خمر/‏‏‏‏‏‏ هي من عرقه خبز وياسمين/‏‏‏‏‏‏ فكيف صار طعمها/‏‏‏‏‏‏ طعم نار ودخان/‏‏‏‏‏‏ لبيروت/‏‏‏‏‏‏ مجد من رماد لبيروت/‏‏‏‏‏‏ من دم لولد حُمل فوق يدها/‏‏‏‏‏‏ أطفأت مدينتي قنديلها/‏‏‏‏‏‏ أغلقت بابها/‏‏‏‏‏‏ أصبحت في المساء وحدها/‏‏‏‏‏‏ وحدها وليل/‏‏‏‏‏‏ لبيروت/‏‏‏‏‏‏ من قلبي سلام لبيروت/‏‏‏‏‏‏ وقُبل للبحر والبيوت/‏‏‏‏‏‏ لصخرة كأنها وجه بحار قديم»... إلخ من تفاصيل هذه القصيدة - الأغنية التي كان كتبها الشاعر جوزيف حرب بين العامين 1982 و1983، وغنتها فيروز في العام الأخير المذكور، وقد تخاطفتها وتتخاطفها هذه الأيام مختلف شاشات التلفزة والإذاعات في لبنان، وحظيت بإعجاب الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون، خصوصاً بعد الانفجار «الأبوكاليبسي» الذي ضرب بيروت وأطاح بها، وجعل العرب والعالم بأسره يهرع لنجدتها ومواساة أبنائها وبلسمة جراحهم الغائرة.

ماكرون وأغنية «لبيروت»
تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي، وفي زيارته الثانية للبنان (ليلة 31 - 8 - 2020) كان توجّه فوراً من المطار إلى منزل السيدة فيروز في شرق بيروت، وقابل أيقونتنا الذهبية مدة ساعة وربع الساعة، مقلداً إياها أرفع وسام فرنسي، وصرّح بعد نهاية الزيارة أن أغنية «لبيروت» هي الأحب لديه بين أغاني السيدة العظيمة.
وتقول المعلومات إن قصيدة «لبيروت» قُدمت للرئيس ماكرون مترجمة إلى الفرنسية، قبيل أيام من زيارته الثانية للبنان، وقرأها ملياً، وبالتالي فإن التعبير عن إعجابه بها لم يكن أبداً عابراً، بل صادراً عن يقين ثقافي راسخ فيه. ولا غرو، فهو مثقف، وقارئ انتقائي ذكي للشعر والأدب، فضلاً عن تخصصه بالفلسفة وميله إلى الأطروحات التأويلية للفيلسوف الفرنسي الكبير بول ريكور، حتى أنه وضع بحثاً فلسفياً مهمّاً عن مؤلف ريكور «الذاكرة والتاريخ والإنسان» تحت عنوان: «الضوء الأبيض للماضي».

النَفَس الهوميري لقصيدة «لبيروت»
تنتمي قصيدة «لبيروت» إلى عائلة الإنشاد الملحمي الهوميري الذي تنكّبه الشاعر جوزيف حرب في جانب كبير من «صناعته الشعرية»، وخصوصاً أن دواوينه المكتوبة بالفصحى، كانت من النوع الذي يضمّ نصوصاً شعرية متكاملة ملحميّاً، ولم تكن البتة عبارة عن مجرد مجموعة قصائد، فمثلاً ديوانه «المحبرة» (هو أطول ديوان في الشعر العربي قاطبة، يبلغ تعداد صفحاته 1750 صفحة) هو في حقيقته عبارة عن عمل شعري متكامل، ومثله ديوانه «مملكة الخبز والورد» وديوانه: «السيدة البيضاء في شهوتها الكحليّة».

«التراجيديا البيروتية»
صحيح أن قصيدة «لبيروت» كُتبت لتغنّيها فيروز، ولكنها على صغر حجم كلماتها، هي ذات نَفَس ملحمي درامي أيضاً، تناول فيها الشاعر «التراجيديا البيروتية» في العديد من محطاتها الكارثية على امتداد التاريخ الطويل للمدينة، والذي يعود إلى أكثر من 4000 سنة خلت، ولكن بيروت - البطلة كانت على الدوام تنهض من رمادها، على غرار طائر الفينيق الذي يولد من احتراقه ورماده. 
وإذا كان من خصائص الأسلوب الشعري الملحمي الهوميري، وضوح الأفكار وتلاحقها وبساطة مضامينها (على عمق ونبل طبعاً)، وسهولة تراكيب ألفاظها وحركة أدائها للمعنى، وحملها له وتكراره تكراراً يخدم النص والدوافع العاطفية وراءه، فإن هذا الأمر ينطبق تماماً على قصيدة جوزيف حرب «لبيروت»، فهي قصيدة بسيطة بأفكارها، ووضوح عاطفتها، ورقة ألفاظها ومعانيها، ولكنها في المقابل عظيمة بتأثيرها التراجيدي المروع، والذي يحرك الأنفس حتى أقاصيها من الشعور الدفين الذي يكشفه الشعر العظيم.

سؤالان للشاعر الصديق
كيف حدث أن وصّفت صخرة الروشة في قصيدتك «لبيروت».. «بوجه بحّار قديم»؟ سألت صديقي الشاعر جوزيف حرب ذات يوم، فأجابني: «إنه الاستنطاق الأسطوري للمكان البيروتي وصموده وتشبثه المتعمْلق بالبحر العملاق.. إنها ثقافة البحر المتمكنة منّي حتى النخاع، يا صديقي». ثم كان سؤال آخر منّي له عن عبارته «مجد من رماد لبيروت»، فأجابني من فوره: «إن كل شيء يولد من الرماد أو من اللاشيء، يا صاحبي، ومجد بيروت الرمادي، هو المعادل الموضوعي لولادتها من جديد، ولادة أقوى وأزهى.. ولادة ترفل زهورها الجديدة بآلاف الألوان المعروفة وغير المعروفة».

نكهة جديدة للمختبر الشعري
يبقى أن أشير إلى أن الشاعر جوزيف حرب أضاف نكهة جديدة ومغايرة تماماً إلى المختبر الشعري التأليفي لأغاني فيروز، والذي كان يضم شعراء كباراً من طراز: سعيد عقل، وميشال طراد، وطلال حيدر، والأخوين رحباني طبعاً، وهو ما كان يحبذه زياد، كقارئ فذ وملحن فذ لكلمات جديدة شكلاً ومضموناً، رأيناه ينجح خلالها في كسر عصا المايسترو (سواء أكان والده، أم عمه) ويتقدم هو بعصاه اللحنية فائقة السحر والخصوصية الفنية.