نوف الموسى (دبي)

أغلب لقاءاتي مع الفنان التشكيلي العراقي محمد فهمي، كانت في المسرح، كنّا نسلم على بعضنا بعضاً بين الحوارات العابرة للمسرحيين، وكان دائماً في ذاكرتي أنه يؤدي بعداً مسرحياً ما، بينما كنت وما زلت أتساءل: لمَ لا يحضر التشكيليون في الإمارات عرضاً مسرحياً في أيام الشارقة المسرحية؟، إلى أن شاهدتُ أعماله الفنية في معرض «جماعة الجدار» كونه أحد الأعضاء المؤسسين للجماعة، والذي أقامته مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية أخيراً، وسمعته يقول عن روح الفكرة في لوحاته: «أتبع غريزة الإحساس باللون حد الإفراط، ولكني لا أنسى الحركة والسكون، باحثاً عن الإيقاع بين التجريد والتشخيص، مستثمراً إمكانية اللون، كما لو أني أعزف موسيقى الشرق بكل النوتات». 
كنتُ مأخوذة بنظريته حول السكون المتحرك، ففي لوحاته يفكك التجسيد نفسه إلى أبعاد متعددة، مقدماً احتمالات لا نهائية للتصور البصري، فهو يدفع بالحركة أن تكون فائضة داخل اللوحة، رغم أنها، واقعياً، لا تتحرك، وهنا بُعد كوني بديع، ممثلاً حالة العدم في التجريد، إلى تفاصيل الخلق المتتالية، التي لا يمكن لحاسة الإنسان إدراكها، دونما اتصال عميق، وأحياناً كثيرة مهما اتسعت موجة الاتصال، يبقى إدراك التفاصيل مسألة صعبة جداً، وينتج عنه ربما نوع جديد من الإدراك، ذلك الذي يُحس ولا يرى، ولهذا صرح الفنان محمد فهمي بأنه على المستوى الشعوري لأعماله «فإن الفنان أو الناقد يمكن أن يكتشف هذا الشيء»، معرجاً على أسلوب الانطباعية في لوحاته كونها جزءاً كبيراً من التجريد: «التشخيص هو تكملة المشهد، وإظهار للطاقة في بنية العمل كفكرة أولاً، والفكرة تأتي متشابكة مع سلطة اللون، إنه موضع إنشائي يحمل بين طياته تناغماً. وأيقونة التضاد في البناء الكلي للعمل الفني»، وهنا التفكير بالتضاد، لافت جداً، لدى فهمي، والسؤال هو: إلى أي مدى يتقارب مع فكرة التناقض، طالما أن الضد أحياناً هو النقيض، وبهما يكتمل معنى «الجمال»، ففي أعمال الفنان التشكيلي محمد فهمي، هناك تضاد مكاني للشخصية، التي تتمرد إلى خارج اللوحة، في لوحة أكبر منها، مثل موضع «المزهرية» الواقعة خارج إطار اللوحة! واللافت الطاقة اللونية الظاهرة في داخل اللوحة، كأنها مزهرية لونية تجريدية، مهمتها أن تنتج المزهريات، ثم تخرجها من اللوحة إلى فضاء أكبر وأشمل وأوسع، وأنت كمتلقٍّ تدرك بوعيك المزهرية بشكلها الواقعي، وتغيب عنك عادةً الطاقة المشكلة لها، وهنا يمكنك الفنان محمد فهمي من استشعارها، وهي تتدفق.