عرفت وتعرف الإمارات العربية المتحدة قفزات نوعية وديناميّة فعالة في ميادين متعددة ومتنوعة سياسياً وفنياً وثقافياً واجتماعياً وأدبياً... وغيرها من الميادين التي تُعدّ عماد الحضارة المعاصرة، التي تنبني على بناء المجتمع والفرد المدرك للشرط الإنساني-الثقافي. ولهذا يحق لنا أن نتحدث عن المشهد الثقافي-الأدبي في الإمارات وعلاقته بهذه الحركية التقدمية (بما فيها السياسية) الساعية لتشييد بنى متجددة، متكئاً على الانفتاح الدائم على ما هو معاصر وحديث، وأيضاً منشغلاً ومشتغلاً بالموروث التراثي الجمالي المحلي والعربي. 

وكل هذا الفعل البناء لم يكن أبداً بمعزل عن المبادرة السياسية التي رأت في الأدب إمكانية الانفتاح الفعلي على الخارج، وأيضاً فتح نوافذ تطل من الخارج على الداخل الإماراتي الذي يعرف ازدهاراً وتطوراً ملحوظيْن. إذ -نموذجاً- «شهد الأدب الإماراتي في العام 2018 حدثاً استثنائياً، تمثل في ترجمة العشرات من الإصدارات لمؤلفين إماراتيين إلى اللغة الفرنسية، بمبادرة كريمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة».. فهذا الفعل الثقافي وغيره الكثير، يعزز مكانة الأدب بهذا البلد الأمين، ودفع به إلى المزيد من التطوير، إلى جانب كونه (أي الأدب) مرآة من مرايا أي أمة، وسجلاً من سجلات ذاكرتها المحفوظة، فلا تاريخ لأمة بلا ذاكرة‏‭!‬.. ‬و‬هذه ‬المبادرة ‬و‬غيرها ‬تدل ‬على ‬أن ‬الوعي ‬السياسي ‬الإماراتي ‬واع «‬بدور ‬الأدب ‬في ‬التأثير ‬المتبادل ‬بين ‬الحضارات ‬الإنسانية ‬على ‬صعيد ‬المعرفة ‬والفكر ‬وتعزيز ‬الحوار ‬الإنساني، ‬ودليل ‬على ‬النهضة ‬الفكرية ‬التي ‬تعيشها ‬الدولة ‬على ‬صعيد ‬الفكر ‬والثقافة ‬والإبداع»‬.. ‬ما ‬يعزز ‬المكانة ‬الأدبية ‬الإماراتية ‬في ‬العالم ‬العربي ‬وخارجه.

أرض خصبة للإبداع
وكما لعبت الصحافة دوراً أساسياً في مرحلة معينة في الأدب العربي، فقد لعبت الدور عينه أيضاً بالنسبة للأدب الإماراتي الحديث، الذي خرج من رحمها، وبالخصوص من ثلاثية جرائد «الاتحاد» و«البيان» و«الخليج»... وغيرها من الجرائد اليومية، ما جعل الجمهور الإماراتي والعربي، لما لهذه الجرائد من انتشار واسع، مطّلعاً على ما تدونه أنامل الكاتب الإماراتي، وما ساهم في تلاقح التجارب وتطورها بشكل سريع وفعّال. وإنْ لم يكن الأديب الإماراتي -يوماً- منعزلاً عن الأحداث الثقافية العربية الكبرى. وإنْ كانت الجرائد -والمجلات- الإماراتية النافذة التي يطلع منها القارئ على إبداعات أدباء هذا البلد، فقد باتت اليوم أرضاً خصبة تنبع منها أسماء جديدة أفسحت لها المجال بشكل «ديمقراطي»، ما أغنى المشهد الثقافي والأدبي العربي. وعرّف بأقلام معاصرة تنحت تجربتها في ساحات الأدب المعاصر، المتقلبة والصعبة.

فعل الكتابة
 وفي خط موازٍ، عمدت الملاحق الثقافية والأدبية -بمختلف دورياتها- إلى إحداث «توازن» بين التراثي والشعبي والحديث والمعاصر، بلا استثناء أو انحياز. إذ إنّ فعل الكتابة يغدو مع الوقت منعزلاً عن زمنية ميلاد الجنس الأدبي، ولكنه مرتبط بأدبية وفنية صاحبه. إذ إن إبداعية النص توجد في قدرته على فتح عوالم التأويل وتعدد المعاني، لا في الجنس الذي ينتمي إليه. أو كما قال الشاعر والكاتب الإماراتي خالد الظنحاني: «إن للشعر دوراً بارزاً في الحياة الأدبية والفكرية في دولة الإمارات، وقد أسهمت القيادة الإماراتية في اتساع رقعة الاهتمام بالشعر، ودعم الشعراء عبر التركيز على الإنتاجات القيمة للشعر الحديث، بشقيه التفعيلة والحر المنثور، بالإضافة إلى الشعر النبطي، وذلك عبر تنظيم إطار عمل مؤسسي منهجي ومنظم، ساعد في بروز الشعراء الإماراتيين على المستوى المحلي والعربي والدولي، وبوأ الشعر الإماراتي مكانة مرموقة في المشهد الثقافي العالمي».

الإرادة السياسية
وعودة على بدء، وبشكل متصل بما قاله الشاعر، فنلحظ بشكل أساسي الدور الذي تلعبه سياسة القادة الإماراتيين في تعزيز المشهد الأدبي والثقافي بهذا البلد، فلا يمكن فصل التقدم الحاصل على المستوى الثقافي والأدبي وحتى الفني، عن الإرادة السياسية. ولنا خير دليل، «جائزة الشيخ زايد للكتاب» التي تقام فعاليتها بشكل سنوي. والتي تأتي تقديراً لمكانة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ودوره الرائد في التوحيد والتنمية وبناء الدولة والإنسان، هذا البناء الذي لم يكن مستقلاً عن الفعل الثقافي والأدبي. وغيرها من الجوائز التي تُعنى بالأدب والفن.

الريادة الإماراتية
وكما سبق وتحدثنا في مواضع كثيرة عن الريادة الإماراتية في المجال الفني، وخاصة المعاصر منه، فإنّ أدباء هذه الجغرافية العربية ليسوا منعزلين عما تعرفه الساحة الثقافية والأدبية العربية من تقدم ملحوظ، حيث إن التجربة الروائية الإماراتية إلى جانب التجارب العربية الأخرى، انعرجت إلى الاشتغال الأدبي المعاصر الذي يتخذ من ازدواجية المحلي (التراثي) والعالمي متكأ لها. إلا أنّ هذا التغيير الحاصل لم يمنعها من الاهتمام بالواقع المعيش، ورصدت التغيرات التي جابهت إنسان اليوم من الناحية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، ما يجعل منها كتابات راهنية ومعاصرة.. منشغلةً بالإنسانيّ والهامشيّ والعابر والزائل.

الأدب «مواطنة عالمية»
يقول الأديب الفرنسي أندري جيد إن «الإبداع لا وطن له»، فحينما ينفتح المبدع والأديب على الكتابة، فهو ينفتح على «مواطنة عالمية» عابرة لكل القارات، ولكنه يحمل في نصه وفنه وطنه الأصلي، ويحمل تاريخ بلده... ولهذا، فالوعي السياسي الإماراتي بدور الإبداع في خلق فرد ذي هوية عالمية منصهرة، وفي ذات الآن واع بوطنيته وواجبه تجاه تاريخ بلده وتراثه، يجعل فعل الكتابة والفن والثقافة فعلاً إنسانياً ينطلق من المحلي ليبلغ الكوني، والأديب والكاتب الإماراتي مدرك لمعاني الاختلاف الذي يمحو كل أشكال الخلاف. وإن كان «الفن مرآة تعكس الطبيعة» كما يُقال، فإن «الأدب مرآة تعكس حالة المجتمع وثقافته»، وهذه المرآة تهتم بالكشف عن مواضع الخلل لتصحيحها، ومواضيع التقدم لجعلها أكثر ازدهاراً.. ما يجعل الفعل الأدبي والفعل السياسي متعلقين ببعضهما بعضاً، كل‏‭ ‬يرتهن‭ ‬على‭ ‬الآخر، و‬من‭ ‬أجل‭ ‬مجتمع‭ ‬واع‭ ‬ومتقدم..‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نلمسه‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬الإماراتية‭ ‬المعاصرة.