في اللحظة التي قالت فيها الفنانة التشكيلية الإماراتية د. نجاة مكي: «أتلاشى أمام اللوحة»، شعرت بأن مرسمها الفني في بيتها الكائن بمدينة دبي اهتز قليلاً، وانسابت الألوان من اللوحات المعلقة على الجدران قرب السقف، كأنها خيوط متناسلة كتلك التي في أعمال سلفادور دالي المائلة حد التجاوز للأطر الخارجية للوحة، في محاولة يقينية منه أن يصطاد حدسنا لتشكيل لغة بصرية، وإذا صح تعبيري، فإن دالي استمد منّا قوته!

وأضافت نجاة بهدوئها المعتاد: «وأتوحد مع اللون»، ومنها عرفت من أين تستمد هي قوتها، ولمَ كُل النساء الحاضرات في أعمالها يقفن بثبات وتجذر، إنه الإحساس الدفين بالوجود، وما اللون لدى نجاة سوى جسرها الساحر نحو ذلك اللقاء الحاسم، الذي أسمته بـ«المواجهة مع اللوحة»، إذن لا خلاص دونما صراع مدوٍّ، تبنيه الفنانة نجاة، كما في لوحاتها حالة من التزامن الأفقي ذات التكوين الطبقي للجسد والفكر والشعور، قد يتصوره المتلقي محيطاً أزرق وصحراء مفتوحة على أفق الأصفر، وأخضر يجسد الشجر والزهر. 

توسيع نطاق المشهد
كان من المهم لحظتها في حوار «الاتحاد»، أن نسأل عن النقلة في أنماط وأساليب العمل الفني لدى نجاة، ولكن الأمر احتاج أيضاً أن يدرك القارئ أن مسألة الفنان في الإمارات، تشبه تلك الخبرة التي أشارت إليها نجاة مكي، وهي تتحدث عن القدرة البديعة في رسم اللوحات الكبيرة واللوحات متناهية الصغر، أن يدخل الفنان في خبرة تراكمية تستدعي السيطرة على المسطح الأبيض في فراغ فسيح متعدد الاحتمالات، والمتلقي هنا بوصفه قارئاً، فهو جزء أصيل من تلك الخبرة، بمجرد أن يخلق انطباعاً لحظياً لمستوى تأثير اللوحة عليه، فهو بالتأكيد يرسم خطاً غير مرئي في توسيع نطاق المشهد الفني.

أنت.. جزء من اللوحة!
وقفنا في زاوية جانبية للمرسم، أخذت خلالها الفنانة نجاة ترتب لوحات متساوية الحجم، مربعة الشكل، بتفاصيلها اللونية المتعددة، أسمتها «نقطة ماء»، تقول عنها: «إنها تفاعلية جداً، بإمكاننا أن نرتبها على الجدار، عبر مجموعة من الأشخاص، أنتِ كذلك بمجرد لمسك لقطعة واحدة الآن وتعليقها على الجدار، تعتبرين جزءاً من العمل الفني»! بينما تتحدث نجاة عن أصل الحياة وارتباطه بالماء كنت أفكر بسؤالها عن ولادة اللون في لوحاتها، واسترسلت الفنانة نجاة في وصف العمل، وكيف بإمكانه دراسة الحالة النفسية والفكرية للشخص، من خلال تعاطيه مع تلك اللوحات وشكل ترتيبها، فكل شخص ينظمها على الجدار أو أي مسطح بالعموم، بحسب تجربته. 

اللون والتوازن البصري
وأثناء ذكرها للمسطح، تولد التقريب بين مسألة البنية والكتلة في أعمال نجاة مكي، معبرة بذلك بأن كل شيء يبدأ بتأسيس اللون، على التوازن البصري في توزيع العناصر، إنها المساحة بحسب تعبير نجاة، هي من تحتاج إلى وعي بما تشغله، والخبرة تهديك قوة التوازن تلك، قد نتصورها فعلاً فنياً، عندما تخبرنا نجاة بأنها تدخل إلى اللوحة كعالم غامض، واللون هو البوابة إليه، إلا أن التوازن يمثل في الأساس قانوناً كونياً. 

عالم التجريب اللامتناهي
وكلما تحدثت نجاة عن خطوط تجسيد الأنوثة في اللوحات، ككتلة وكخط وكرمز معين في لوحاتها، تؤكد حولها بوضوح تام: «المرأة في أعمالي، هو إثبات لوجودها وكينونتها، والطول يعكس قوتها وثباتها وصبرها»، مبينة كيف يجب أن يتفاعل المحيط معها، خاصة عندما تتحضر لمولود جديد للحياة، لنا أن نتخيل كم الاهتمام الذي تحتاجه، وهنا بالأخص تجاوبت سريعاً مع الموضوع وسألت: «هل اللوحة أنثى؟» ترد نجاة: «نعم إنها أنثى»، وربما أبرز اهتمام حصلت عليه «اللوحة»، وأحدث تنوعاً لأنماط حضور الفن التشكيلي في الإمارات، هو تنظيم بينالي الشارقة في عام 1993، الذي سبقه تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، مؤسساً قاعدة للفنون، وهو أمر جعل الفنانة نجاة مكي تعود بذاكرتها إلى أول معرض فني أقامته في نادي الوصل، من تنظيم وزارة الشباب والرياضة، في الثمانينيات: «كانت مغامرة، تجربة الحنة والزعفران، والألوان الفسفورية، ما حدث بعد بينالي الشارقة، أني بدأت أفكر بنمط يومي للرسم أعمله عليه، كنت موظفة في وزارة التربية والتعليم، قسم الوسائل التعليمية، في ذلك الوقت، والتحدي كيف أستطيع أن ألتزم تجاه اللون وتركيباته، لأني أدركت بشكل أعمق القيمة التي يضيفها اللون، وأن كل جزء ودرجة معينة، لا يمكن الوصول إليها بسهولة، إنها عالم من التجريب اللامتناهي». 

استشفاف الضوء والظل
واستمرت الفنانة نجاة في توضيح، أن الأمر لا يتوقف عند «بينالي الشارقة»، وما قدمه على مستوى المعارض العربية والعالمية لكبار الفنانين، إلى جانب حضور النقاد والمهتمين، لقراءة الأعمال المحلية، ولكنه يعكس دور مجموعة من الفنانين الإماراتيين، وحالة المسؤولية التي تبنوها، في كيفية تقديم أنفسهم وأعمالهم، خاصة بعد الثقل النوعي الذي استمدوه من الحدث، وبالنسبة لها، فقد أسهم في تبدل أسلوب تعاملها مع اللوحة، واستشفافها للضوء والظل بتأنٍّ أكبر في العمل الفني، ومنها بدأت الفنانة نجاة مسيرتها عبر 45 سنة، من العمل الفني المستمر، مؤكدة أن مسألة الريادة في الفن التشكيلي مرتبطة بالاستمرارية، وليست متعلقة بسنوات التخرج، التي قد يعتقد البعض أنها تقدمهم كرواد، معتبرة أنه حان الوقت لضرورة وضع سيرة الفن التشكيلي في الإمارات في المناهج الدراسية، لأنها الطريق العلمية والعملية الأكثر قدرة على حفظ التاريخ الفني ومخرجاته. 

الهوية ورمزية المكان
و«الهوية» بعناصرها المختلفة، شكلت جانباً مهماً في أعمال الفنانة نجاة، إضافة إلى «المكان» برمزيته الجمالية، وهنا بالتحديد كنّا نتحرك بشكل دائري في مرسم نجاة مكي ننتقل من لوحة إلى أخرى، توقفنا قليلاً عند تلك اللوحة ذات النقطة السوداء على بنية لونية مبهجة، تعكس جزءاً من ذاكرة الموروث المحلي، تسألني الفنانة نجاة: «كيف تجدين النقاط السوداء؟»، قلت، مبتسمة: «إنها قطعة القماش التقليدية، التي اعتادت أن ترتديها الجدات، الحلقة الدائرية المعروفة في التراث، كنّا نراها في كل شيء، في الشيله، غطاء الرأس، في الملبوسات النسائية وحتى على أيدينا بالحناء»، لتتابع الفنانة نجاة: «كل متلقٍّ يعبر بطريقته، يهمني هذا الحوار بيني وبين اللوحة والمتلقي، الذي بطبيعته يخلق أسئلة، قد تكون للبعض مستفزة، ففي العموم هو يعتمد على أسلوب الفنان».