من ماذا تكونت الحكاية الأولى، وهي تنسل من التفاصيل، لتشكل نواة الدائرة الكبرى؟ يعيدك فريد رمضان إلى هذا السؤال مرات وأنت تلاحق شخوص وحكايات «المحيط الإنجليزي»، الرواية الواقعة في 428 صفحة، والصادرة عن دار «سؤال» للنشر في 2018.

الدائرة الأولى
حريق يأخذ سفينة الربان العماني عبدالله بن حمود التوانقي في مرحلة متأخرة من القرن التاسع عشر الميلادي، حريق هو لعنة السر المحمول في باطن ذلك الفُلك العظيم، فُلك الأسرار الذي عرف عنه قدرته على المناورة والهرب من قبضة السلطات البريطانية التي أرست قانون تحرير العبيد في المنطقة التي تسور المحيط الهندي، وفي الفُلك المحمول بالعبيد واللعنة، يقبع ذلك الحجر، نواة دائرة الحكاية الأولى، والسر الذي لا يدرك كنهه أحد واللعنة التي توزعت حولها مصائر العبيد الستة، القادمين من العمق الأفريقي إلى التيه الأزرق! لعل هذا الحجر الذي بسبب لعنته الأسطورية غرقت السفينة هو المفتاح الذي يشكل الرمز الأول لهذه السردية الطويلة، فالحجر الغامض الذي حمله أحد الفتية من أفريقيا، هو المسكوت عنه في تاريخ تجارة الرقيق، والمصائر التي اندثرت بعد سلسلة طويلة من العذابات، فنحن نلتقي في هذه الدائرة الأولى حول الرمز/‏‏‏ الحجر بكل من مسالمي ومباندا وأتور وكنجي ونواتي وموانتي، أربعة صبية وفتاتان بأعمار متفاوتة بين العاشرة حتى الثامنة عشرة ومبتدأ واحد ينطلق من بشراتهم الداكنة. تغرق السفينة، وينجو الستة، بتدخل بريطاني يحملهم إلى اليابسة الأولى «مطرح» العمانية، ويظهر مع هذا الخط الأول في الرواية خط آخر موازٍ ينتمي إلى مرحلة زمنية مستقبلية لما بعد تفتت مصائر أولئك العبيد حول الحجر الملعون، وقد يمثل هذا الخط الموازي أيضاً الرواية المقابلة التي يرويها أصحاب العرق الآخر حيث يوسف بن عبدالله الأعمى، الذي يخرج من بلوسشتان إلى تيهه الخاص مع هذا الحجر الذي انتهى إليه بعد رحلة من التشابكات بين العبيد ومن حولهم.

الدائرة الثانية
في «مطرح» يكتشف الستة أسئلتهم الجديدة حول المصير، فمن هم الآن؟، بعد ذلك الخراب الذي عطل طريقهم إلى عبوديتهم الأكيدة، يلتفون حول مصير القس «بتير زويمر» بعد مصير «الحجر الملعون» الأب الذي كان يرأس إرسالية تبشيرية، بإيمان عميق في إمكانية منح الخلاص المطلق من خلال المسيحية، وهنا يطفو هذا الإيمان العميق من لاوعي «بيتر» إلى حاضره اليومي لتأتيه فكرة إنشاء مدرسة تحمل اسم «مدرسة العبيد المحررين»، مدرسة تعلمهم التقاليد المسيحية وتنقذهم من مصير العبودية الظاهر. ولكن مع قرار الأب بتغيير أسماء المحررين من مسالمي إلى مايك ومن مباندا إلى جيكوب ومن أتور إلى استيفان ومن كنجي إلى ناثان ومن نواتي إلى إيزابيل ومن موانتي إلى ماريا، يبرز سؤال الحرية الحقيقي العميق لدى هؤلاء العبيد، فما هي هذه الحرية الملتبسة، التي فرضت عليهم هويات بطقوس وتعاليم دقيقة تختلف عن شساعة ميثولوجيا الدغل الأفريقي؟! وفي الوقت ذاته الذي تتلاقف الأيادي والأراضي يوسف من حكاية إلى حكاية بين بلوسشتان فـ«مطرح» ثم مسقط والبحرين في جو موغل بالواقعية السحرية، وهو يحاول أن يعود بذلك الحجر الغريب إلى الصبي الأسود في الذاكرة الذي انتزع الحجر من أرضه الأولى في أفريقيا، هنا قد يظهر رمز جديد لهذا الحجر الغامض، فهو الآن رمز للتيه والرغبة الحثيثة بالعودة للأرض الأم. 

الدائرة الثالثة
لعنة الحجر تقتل القس «بيتر» و«ناثان» وتحرق «مدرسة العبيد المحررين» وتغرق «مطرح» في عاصفة هوجاء، تتفرق بعدها مصائر العبيد الخمسة، لتأخذهم دائرة جديدة من الهويات فرضتها عليهم مرة أخرى ألوانهم الداكنة وبين البحرين ومكة وزنجبار تتغير هويات بعضهم من جديد ودياناتهم معها، ينتزع بعضهم حريته بالقوة وبعضهم بالمهادنة، حرية هشة تفرضها ورقة عتق بختم المملكة البريطانية. 

الدائرة الرابعة 
الدائرة الرابعة هي الدائرة التي تنقل التيه من جيل إلى آخر فبعد أن أصبح الحجر اليوم في يد عبدالله بن يوسف بن عبدالله الأعمى الذي ينطلق باحثاً في التيه ليعود به إلى الدائرة الأولى ملتقياً بمن تبقى من الستة ماريا وإيزابيل دون إجابات واضحة حول نهاية هذا التيه الممتد، ليمثل المحيط الإنجليزي موجة هائلة تقذف بك على جزيرة من الفانتازيا والسحر، لا تحاول أن ترهق نفسك بعدها بالبحث عن حقيقة كامنة، فالقدر كان دائماً الدائرة، دوائر من الأسماء والحكايات التي تلتف على بعضها بعضاً دون نهاية وبين الملح والدم والحرائق والصراخ تظهر الوجوه على سطح الماء قبل أن تعود لتغطس بمكر، دون أن تجعلك تمسك بالمعنى الذي سيتبدد من بين أصابعك كالرماد، دون أن تلمس سوى لذعة المرارة المنسلة عبر التاريخ دون وثائق كاملة حول تلك المصائر الداكنة للعبودية.