يحصل السّهو أحياناً عن كون العلامات التّي نترسّم بها تاريخ البشريّة لا تكمن في الحروب فقط، وإنّما في الأوبئة كذلك. إلاّ أنّه لا يعنينا، ها هنا، أن نقايس الوباء بالحرب والوباء، وإنّما يعنينا أن نختبر بعض المواصفات التّشكيليّة التّي تدبّر بها بعض الرّسّامين الأوبئة التي تركت ندوباً متفاوتة على وجه الزّمن فنرى إليهم كيف تمثّلوها أشكالاً وهيئاتٍ وألواناً حتّى غدا معنى الحياة تساؤلاً بصريّاً. وقد لا يليق أن نتقصّى عن جماليّة للوباء، لكن يكفي أن نستحضر عيّنات من تصوير الأوبئة تشكيليّاً حتّى نتبيّن من خلال إطلالة تاريخيّة مختصرة أنّ الدّور التّوثيقيّ للأوبئة الذي اضطلع به الرّسم كان موسوماً بجماليّة تخصّه.

لئن كان مؤرّخُو الفنّ يزهدون في اتّخاذ تيمة الوباء مدخلاً لتدبّر تاريخ الفنّ، فربّما لأنّهم لم ينتبهوا إلى الحضور الدّائم لآفات المرض في الفنّ، وهو ما استثمره، في ضرب من الرّيادة، الأميركيّ ميلاّر ميس Millard Meiss عندما سلّط الضّوء، في 1951، على هذه النّقطة العمياء في تاريخ الفنّ، فركّز على الخصائص الأسلوبيّة لأواخر القرن السّادس عشر، وخاصّة أنّ الطّاعون كان قد أثار، أزمة حقيقيّة في وجه النّزعة الإنسانويّة لذلك العصر. ويكفي أن نستحضر بعض العيّنات حتّى نرجّح هذا الإمكان. 

  • رافائيل، طاعون فريجي، «محفورة لريومندي» (ما بين 1506-1532)
    رافائيل، طاعون فريجي، «محفورة لريومندي» (ما بين 1506-1532)

تمثُّل ثيمة الوباء
ففي 1664 تمثّل الرّسّام ميخائيل سويرتس Michael Sweerts الطّاعون الذي ضرب أثينا في القرن الخامس ق. م. وخلّف آلاف الضّحايا من بينهم السّياسيّ والخطيب المفوّه بريكليس. ويبيّـن في لوحته هذه كيف يبلغ اليأس ذروته حيث تُرك الأثينيّون لكلّ ضروب التّأرجح بين الإفراط والتّفريط. وكان ديلاكروا قد تمثّل الطّاعون الذي ضرب أوروبا بقوّة في أواخر القرن الثاني. وكان من بين الضّحايا الإمبراطور والفيلسوف الرّواقيّ مارك أوريل الذي صوّره وهو على سريره بين مستشاريه وابنه. وتُعدّ هذه اللّوحة تحيّة لهذا الفيلسوف الذي يُنسب إليه قوله «لا تزدرِ الموت، وإنّما كن راضياً به، فهو واحد من الأشياء التي تريدها الطّبيعة (...) لا يليق برجل يفكّر أن يهيج ضدّ الموت، ولا أن يزدريه، لكن أن ينتظره مثل حدَث». 

بلاغة تشكيليّة
ولئن بدتْ مثل هذه الأعمال ذات منزع توثيقيّ نظير ما قام به مشيل سير Michel Serre، الرّسّام الشّاهد على وباء مرسيليا لسنة 1720، فإنّها تشتمل أيضاً على بلاغة تشكيليّة يعززها الانتقال الحاذق بين الورديّ والأخضر في ترجمة عن غموض العلاقة بين الحياة والموت. فيغدو التّوثيق التّشكيليّ للوباء تدريجيّاً غرضاً فنّياً مستقلاً. وهو ما ننتبه إليه منذ لوحة الإسباني بوكانيغرا Bocanegra (القرن 17) التي تتمثّل الطّاعون الذي حصد تقريباً نصف سكّان مدينة سيفيل (إشبيلية)، فصوّره رمزيّاً على نحو أضحى تقليداً مستعاداً منذئذ: رضيع حيّ بعدُ، ورديّ اللّون، يمسك بثدي أمّه مصعوقة ترقد جثّة على الأرض مكشوفة الصّدر، الفم فاغر، وعلى يمينها يرقد جثمان أحد ابنيها، وفي الأعلى تلوح هيئة الزّمن طائرة وهي تذكّر بأنّ موعدها قد حلّ بعدُ. (لون هذه الهيئة أبيض مثل الموت). وحسب الفرنسيّة جاكلين لشتنشتاين تجسّم التضادّات اللّونيّة، ها هنا، المتحوّلة من الورديّ إلى الأبيض الجُثّي إلى حدّ الأخضر الدّاكن، بل البرونزيّ المسودّ، التّدرّجَ ذا الاتّجاه الواحد، الذي لا يعود القهقرى، نحو الموت. ذاك هو التّلوين الاصطلاحيّ للجثّة الموبوءة الذي تَكرّس في الرّسم. ويُستخدم، لأجل ذلك، العري الجثّيّ، لأنّه يسمح ببيان الأعراض. أمّا الصّور التي تتمثّل أجساد النّساء الموبوءة بدُبَيْلات وندوب فنادرة، وإنّما يتمّ التّعويل أساساً على اللّون الشّاحب والممتقع للجسد للدّلالة على إصابته بالوباء.

  • نيكولاس بوسن Nocolas Poussin، طاعون أسدود، 1630-1631
    نيكولاس بوسن Nocolas Poussin، طاعون أسدود، 1630-1631

المرض والقبح
ثمّ صوّر الفرنسيّ غرو Gros نابليون وهو يعود المصابين بالطّاعون بيايفا (1804). ورغم أنّ الألماني كارل روزنكرنز Karl Rosenkranz يقرن عادة بين المرض والقبح، فإنّه عند تعليقه على هذه اللّوحة بعبّر عن إعجابه بدُبيْلات الطّاعون ترصّع، بطوليّاً، جلود الموبوئين بلونهم الكابي، وبالمسحة الرّماديّة الضّاربة إلى الزّرقة، فإلى البنفسجيّ!. ولئن كان يذكّر بأنّ المرض قبيح عندما يشوّه العضلات أو يصبغ الجلد مثل اليرقان، فإنّه يكون جميلاً تقريباً مثل حالات الحمّى التي تضفي على الجسد بعداً أثيريّاً، حتّى أنّه يذهب إلى حدّ التّعليق: «أيُّ مشهد يوفّره فتى أو فتاة على فراش الموت، طريحاً من السّلّ!».
***
تُبيّن لوحة «الوباء» للألماني زيك Zick المرور من الجسد الحيّ إلى الجثّة، فتكشف الألوان النّاصلة عن تفكّك المسار المتلف للحياة، فكأنّ مِلونه قد أصابته عدوى مخلّفات الوباء على الجلد تهرُّؤاً وتحلّلاً، فليست لطخة ما ترشّه الفرشاة على القماشة وإنّما دُمّل على جلد الموبوء، وليس تشققاً في العجينة المدعوكة على القماشة ذلك التّقصّف وإنّما هو أثر القوباء على جلده. 

  • الرّسّام السّويسري أرنولد بوكلين Arnold Böcklin، الطّاعون، 1898
    الرّسّام السّويسري أرنولد بوكلين Arnold Böcklin، الطّاعون، 1898

مفاتيح «أيقونوغرافيّة»
هذا الغرض التّشكيليّ يحتاج مفاتيح «أيقونوغرافيّة». ومن ذلك أنّه منذ رفائيل في عمله «وباء في فريجيا»، ترمز حركة «سدّ الأنف» إلى الرّائحة الكريهة. ومن ثمّ كان لابدّ من تغطية الموبوء بالجير الذي يحضر في كثير من رسوم هذا الغرض. ويضاف إلى ذلك الدّيكورات حيث المَشاهِد السّرديّة تقع في ساحات عموميّة وشوارع فسيحة، من أجل تضخيم الهلع، فضلاً عن كون ذلك يمكّن من بسط التّفاصيل الصّادمة الأعراض الخاصّة بأزمان المصائب. وهو ما نتبيّنه في لوحة «انتصار الموت» للفنلندي بروجل، التي تتمثّل الطّاعون الأسود (السّواد كناية عن بطشه) في قرية أصابها الخراب عن بكرة أبيها، فتنتشر أكوام من الهياكل العظميّة والجثث. 
***
في قصّة للبلجيكي أدموند بيكار، يقول طبيب/‏ رسّام: «أعرف آلاماً تبرأ بالألوان. فأنا أرسم مرضاي، ولقد وضعتُ كاتالوجاً من الدّرجات اللّونيّة والفويرقات، قدّرتُها كما يقدّر الآخرون الأدوية (...) ولديّ مخطوط اسمه المِلْوَن الطّبّي». فكأنّما الرّسّام وهو يمرّر فرشاته على الجثّة يدهن بمرهم هذه البشرة المبقّعة.

  • الرّسّام السّويسري أرنولد بوكلين
    الرّسّام السّويسري أرنولد بوكلين

خزّان الأساطير
كلّما رأينا كيف تترسّم فرشاة الفنّانين آثار الوباء وتخطّ تلك التّفزّرات على الجلد استحضرنا الرّسوم الهائجة والمسعورة التي تقرن بين الطّاعون ومشاهد الجحيم لدى دانتي. فتمثّل الأوبئة، تشكيليّاً، هو فتح لخزّان من الأساطير انعكستْ أخلاط أصباغها على مِلْون الذاكرة. فأحياناً لا يسع الرّسّام وهو يحوّل القماشة إلى محفّة يُسجّي عليها جسد الموبوء غير أن يهتدي إلى الخلطة اللّونيّة التي لا تخطئ العين «وبائيّتها». فكما لو أنّ الرّسوم مخبوءة في القماشة لا يفعل الرّسّام غير أن ينفذ إلى العمق عبر الألوان. ولقد عبّر هنا التشيلي، لارّين Larrain، بطرافة «من أجل رسم الوحش، لابدّ من لمسات فرشاة، كأنّها ضربات سوط، للرّسم المسوط والسّائط».