إبراهيم الملا (الشارقة) 

شارك الشاعر والسيناريست والمخرج السينمائي الإماراتي مسعود أمر الله في ندوة (تحولات الصورة الشعرية في السينما) التي أقيمت مؤخرا ضمن فعاليات الدورة السادسة من مهرجان أفلام السعودية، التي تقام في الفترة من 1 إلى 6 سبتمبر الجاري، والتي اختارت أن تعرض أفلامها وندواتها هذا العام على منصة الإنترنت بسبب الظروف الاستثنائية التي أملتها جائحة كورونا. وركّزت الندوة على سرديات البعد الشعري للسينما وجوهر المعنى الذي يحمله، ضمن تجارب متعددة يتجلّى فيها الشعر مصاحبا للصورة البصرية.
وأوضح أمر الله في مداخلته أن لكل مخرج سينمائي أسلوبه ورؤيته ولكن تلقّي المحتوى الشعري في الصورة السينمائية يختلف من متفرج إلى آخر بحسب ثقافة هذا المتفرج ووعيه وتجاربه الحياتية، مضيفا أنه حتى في السينما الأميركية التجارية القائمة على الإثارة والإبهار قد تكون هناك ومضات شعرية ورسائل فلسفية قد تعبر سريعا في النسيج الظاهري للفيلم، ولكنها قد تترك أثرا شعريا ملحوظا وبُعدا إنسانيا عميقا لدى المتلقّي.
وأكد أمر الله أن خلق قاعدة جماهيرية أوسع للسينما الشعرية، له عدة منافذ وحلول، ومن ضمنها خلق ثقافة بديلة تتطلّب اشتغالا بصريا وجوديا وكونيّا شاملا، بعيدا عن الثقافة التفصيلية الآنية التي يفرض فيها المخرجون ملاحقة المكونات السردية الصرفة في الفيلم مثل القصة والحبكة والصورة النمطية للبطل الذي لا يقهر، وغيرها من التفاصيل البعيدة عن عمق وجوهر الصورة الشعرية، وعمّا يقبع خلف القصة، لأن هذا الجوهر – كما أوضح – هو شيء أبعد من اللمس أو المعاينة، فهو مكوّن بصري يمس الحواسّ الداخلية للمتفرج، ويخاطب ذاكرته الشخصية، ويتعامل مع الجانب الجمالي الخفّي فيه، مضيفا أن هذا الجوهر الشعري في السينما لا يتطلب استيعابا ذهنيا صرفا بقدر ما يتطلب تفاعلا حسيّا نابعا من المشاعر الخبيئة ومن الحدس واللاوعي. ووصف مسعود أمر الله بنية الصورة الشعرية بالبنية غير المباشرة أو العلنية، لأنها بنية تأتي فيما بعد التكوين البصري، موضحا أن السينما الشعرية هي التي تحتفي بجماليات اللامرئي، اعتمادا على ما هو مرئي من شخوص، وأمكنة، وسينوغرافيا، وموسيقى، وحوارات، وغيرها من الموتيفات السينمائية التي تعزّز تأثير هذا الجمال اللامرئي.
وفي إجابته على سؤال: «هل من الضروري أن يكون المخرج مهتما بالأدب وبفن الشعر تحديدا ومنتجا له حتى يقدم لنا سينما شعرية خالصة؟» قال أمر الله: ليس بالضرورة أن يكون المخرج المعني بهذا التيار السينمائي، شاعرا وله مؤلفات ودواوين شعرية، مبرّرا إجابته بالقول إن أي مخرج يلامس بكاميرته الحس الإنساني ويقدم الومضة الفارقة فيما هو يومي وحقيقي وواقعي، هو بالأساس يقدم صورة شعرية لصيقة بحياتنا قد لا نلاحظها أو نهتم بها، أنه يقتنص ما هو كامن وغامض في أعماقنا، ويعرضه على الشاشة، مضيفا: «المخرج الذي يفعل ذلك يقدم لنا السينما الشعرية حتى لو لم يكن أديبا أو شاعرا بالأساس»، وقال أمر الله إن السينما الشعرية تعبّر عن ذاتها بشكل روحاني وجوّاني، لا بالشكل الظاهري المباشر، واصفا مخرج السينما الشعرية بأنه الذي يلتقط ضمن إيقاع الحياة ما لا يلتقطه الآخرون تبعا لفهمهم السائد والتقليدي لمعنى وقيمة وأثر السينما، وأضاف قائلا: «إن الشاعر السينمائي – وباعتقادي الخاص - هو صانع الفيلم الإنساني، وهو الذي يقترب من الحياة لدرجة التماهي معها، لأنه مخرج يرى نفسه مفردة من مفردات الحياة، لذلك فهو يقدم موقفا شعريا موازيا للتشظي الداخلي للصورة السينمائية، ومن دون قصد أو مبالغة أو تجسيد لنظرية ما حول السينما الشعرية، أنه يفعل ذلك ببساطة وبعفوية بالغة، فكلما كانت الصورة السينمائية بسيطة كلما كانت أقرب للشعر».