هزاع أبوالريش (أبوظبي)

يعكف الباحث الإماراتي الدكتور حمد بن صراي، هذه الأيام، على توثيق السيرة الأدبية الكاملة للكاتبة الراحلة مريم جمعة فرج، ضمن تجربته البحثية اللافتة في توثيق تاريخ الشخصيات المحلية من الأدباء والكتاب؛ إذ سبق له أن أصدر كتاباً عن الكاتب الراحل أحمد راشد ثاني، تناول فيه بشكل تحليلي نقدي مؤلفاته الأدبية، عرفاناً للجهود الإماراتية التي رسخت مسيرتها في حقل الأدب والثقافة. وقال الباحث الأكاديمي الذي عرف عنه شغفه بالتاريخ القديم لمنطقة الخليج، خاصة في عصور ما قبل الإسلام، وأصدر فيه كتباً تعد مراجع أساسية للباحثين في هذا الحقل المعرفي الهام، عن انتقاله من التاريخ إلى الأدب: شعرت بأن من الواجب علينا أن نقدم هذا التوثيق للأجيال القادمة، لتدرك تاريخها جيّداً من خلال هؤلاء المثقفين والأدباء، وليبقوا حاضرين بيننا وأعمالهم خالدة لا تغيب.  

توثيق التراث
وأضاف: علينا، كمؤرخين وباحثين ومعنيين بالتراث، الحفاظ عليه في شتى مجالاته، فهذه أمانة يجب أن نحملها على عاتقنا، ومسؤولية كبيرة أمام الله، ومن ثم الوطن، أن نكون قادرين على صون كل ما يتعلق بالتراث المحلي، ومن ضمن التاريخ مبدعو الوطن الذين ساهموا في الحراك الثقافي، وبذلوا كل جهد لإبراز الأدب المحلي. وما أقوم به ينطلق من إيماني بأن كل تلك الأعمال تصب في خدمة الأدب الإماراتي، وتوثيق مراحل الإبداع التي وصل إليها مبدعو الإمارات، وأن تكون المرحلة القادمة للجيل المبدع مستندة إلى ثوابت وأسس متينة ترسخ قيمة الإبداع المحلي، والأدب الإماراتي. وأوضح: منذ بدأت في العمل البحثي، كنت مهتماً بتاريخ منطقة الجزيرة العربية ما قبل الإسلام، ولكن في السنوات العشر الأخيرة التفتُّ إلى التراث الإماراتي، لما وجدته من قصور كبير تجاه هذا التراث العميق، والذي أعتقد أنه لم يخدم علمياً بالدراسات الأكاديمية الدقيقة، فغالبية ما كتب عن التراث المحلي هو من قبل هواة وليسوا أكاديميين، وهذا ما جعلني أقف متأملاً لإعادة صياغة المشهد المحلي بدراسات أكاديمية معتمدة على التوثيق.

التاريخ حياة
وبالعودة إلى التاريخ وأهمية دراسته، قال المؤرخ والأكاديمي الذي يُدرّس التاريخ القديم في جامعة الإمارات، الدكتور حمد محمد بن صراي لـ«الاتحاد»: علم التاريخ من أهم الفصول التي تمر على الإنسان، وتساهم في تغيير مناخ فكره وتضاريس ثقافته، لتجعله قادراً على مواكبة الحياة بشفافية الفطرة، وعفوية النظرة الثاقبة الخالية من الشوائب التي قد تؤثر عليه وتعرقل مسيرة حياته، فالتاريخ ليس مجرد مجلداتٍ وكتاباتٍ ومؤلفاتٍ توضع فقط على الأرفف، بل حياة من خلالها يشعر الإنسان بوجوده وكيانه. وعلينا أن نقرأ في التاريخ بوعيٍ وتمعن، حتى نستطيع إعادة صياغة الحقيقة، والحفاظ على الماضي، والدفاع عنه، للمضي قدماً إلى مستقبلٍ واعد يُبشر بعافية فكر الأجيال القادمة.

التاريخ الشفهي
وتشتغل أحدث إصدارات الباحث د. حمد بن صراي على موضوعات منها: «الدراسات التاريخية حول مجموعة من المصكوكات من متحف الشارقة للآثار»، الصادر عن هيئة الشارقة للوثائق والأرشيف، و«معجم المصطلحات العمرانية في التراث الإماراتي»، الصادر عن معهد الشارقة للتراث، وعن أهمية المرويات الشفاهية بالنسبة للمؤرخ، قال: الحكايات الشفاهية تعطيني معلومات أحياناً أشمل من الوثيقة المكتوبة، فالراوي معاصر للحادثة التاريخية، ويسردها بكل تفاصيلها، وشخوصها، ويحدد بدقة الأسماء والأماكن، وغير ذلك من التفاصيل، وهو ينقلني بالتالي إلى جو ما حدث بالضبط، من دون نقصان، عكس الوثيقة، فهي تكتفي أحياناً بالإشارة إلى بعض التفاصيل من دون ذكر البعض الآخر، متحدثاً عن إصداراته الشفهية الجديدة التي ستصدر خلال الأيام المقبلة، الأول: «جوازات رأس الخيمة قديماً»، وهو عبارة عن 3 مجلدات بمساعدة 10 طالبات من جامعة الإمارات، حيث تحتوي المجلدات على ثلاثة أجزاء، فالجزء الأول عبارة عن دراسة تاريخية شاملة، والجزء الثاني، والثالث، مقابلات مع كبار في السن استخدموا تلك الجوازات. أما عن الإصدار الثاني الذي يحمل عنوان: «رحلة الصبر والمنال»، فيحكي عن أبناء الإمارات الذين اشتغلوا في دول الخليج قبل قيام الاتحاد، ويحتوي على 5 مجلدات.

حكايتي مع التاريخ
وفي عام 1982 حدثت نقلة نوعية في حياة ابن صراي أخذته إلى علم التاريخ ودروبه، وعنها يقول: حين التحقت بالدراسة في جامعة الإمارات، تخصصت في التربية والتاريخ، وكان من المواد المقررة مادة العصر الأموي، فقدمت بحثاً عن الخليفة الوليد بن عبدالملك، وكان أول بحث أقوم بإنجازه، وتكون من 50 ورقة، واستندت فيه إلى 40 مرجعاً، وأدهش البحث أستاذ المادة الفاضل الدكتور حسن علي حسن، فقام بنقلي فوراً من تخصص التربية إلى تخصص الآداب لدراسة التاريخ المنفرد، لما رآه في البحث من طرح جيد. وخطوة الدكتور الجريئة تلك، شهادة ما أزال أعتز بها إلى يومي هذا. فقد شكلت قفزة نوعية في حياتي، ونقلتني من حكايات جدي إلى التخصص العلمي في التاريخ، الذي جعلتني دراسته أقف أمام الوقائع التاريخية عن كثب بحقائقها، وإلغاء كل تزييفٍ عالقٍ في قشور الماضي والتاريخ.

معنى التخصص
 أما الحدث الآخر الذي غير من حياته ونظرته للتاريخ ودراسته، فكان في بريطانيا، حيث سافر لإكمال دراساته العليا، وهناك، يقول ابن صراي: التقيت بالأستاذ الدكتور جون هيلي في جامعة «درم»، الذي ساهم في صياغة شخصيتي، وله الأثر الكبير على حياتي، وجعلني أدرك قيمة التاريخ ومدى أهميته، بل إنه جعلني أتقن عدة لغات مهمة جداً لكل من يريد دراسة التاريخ القديم، ومن بينها: اللاتينية، واليونانية، والتدمرية، والسريانية، والآرامية، والسبئية، بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية، وأشرف على رسالتي للماجستير، ثم الدكتوراه، فكان بالنسبة لي إنساناً ملهماً عظيماً، وأستاذاً أدين له بالكثير. والدكتور جون هيلي ألهمني فلسفة جميلة في حينها، بأن النجاح الحقيقي لا يأتي إلا بالتخصص في الشيء، والتميّز لا يُثمر إلا برعايته والاهتمام به، مثل الزرع تماماً. عبارات من شخصية عميقة فكرياً، أصبحت ناقوساً يدقُّ في ذهني، كلمات جعلتني أتيقن من معنى التخصص في الشيء وعدم التشتت في الأشياء؛ لإدراكها بجدارة وبشكلٍ جيّد.

مؤلفاته
أصدر الدكتور حمد بن صراي 32 كتاباً، تنوعت ما بين الأكاديمية والأدبية والتاريخية والتراثية، وأنجز 50 بحثاً علمياً أكاديمياً، وتجاوزت الأوراق التي قدمها في المؤتمرات والمشاركات الدولية الـ50 ورقة علمية، وله مراجعات كتب لآخرين، وخلال دراسته ترجم حوالي 30 نقشاً قديماً من لغات قديمة، من بينها اليونانية، والتدمرية إلى اللغة الإنجليزية، وكان بحثه عن «تاريخ منطقة الخليج العربي من القرن الثالث قبل الميلاد إلى الثاني ميلادي وعلاقة تدمر بالخليج العربي» فاتحة لسلسلة مهمة، وفريدة من الكتب، منها: 
«الوجود النصراني في المدينة قبل الإسلام في العهد النبوي»، الذي يعد من نوادر المراجع الوثائقية في بحوث التاريخ، لما يحمل من معلومات مهمة حول القبائل النصرانية في المدينة، والذي اعتمد فيه على 900 مرجع، و«المعجم الجامع لما صرح به وأبهم في القرآن الكريم من مواضع»، والذي يعتبر معجماً جغرافياً للقرآن الكريم، و«الدراسات التاريخية حول مجموعة من المصكوكات من متحف الشارقة للآثار»، و«معجم المصطلحات العمرانية في التراث الإماراتي»، وغير ذلك مما لا يتسع المجال هنا لذكره. 

علّمني جدّي
ولد الدكتور حمد بن صراي سنة 1963 في إمارة رأس الخيمة، وعاش في كنف جده جمعة، الذي أثر فيه عميقاً، وترك بصمته على شخصيته، واستلهم منه حب القراءة وشغف الاطلاع والبحث عن المعرفة، وتقصي الأحداث التاريخية والإصغاء إليها باهتمامٍ وتمعُّن، وهو يقول عن جده: عاش 115 سنة، وفي كل لحظة أجد درساً جديداً في انتظاري. فترة مديدة في ظل الثقافة والفكر والمعرفة أستلهم منها أساسيات الوجود، وجماليات التاريخ والتواصل مع الآخر. 
وتابع ابن صراي: بدأت في اقتناء الكتب وقراءتها في فترة مبكرة من عمري، أيضاً بفضل جدي، الذي كنت أتلذذ بأحاديثه وحكاياته، فسعيت للقراءة لفتح باب الحوارات والنقاشات أثناء لقاءاتنا اليومية. كما أنه أيضاً كان يخصص لي مبلغاً أسبوعياً لشراء الكتب.