ساسي جبيل (تونس)

كتاب «الرائي مرئياً أو السيرة المقنعة... قراءة في شعر شوقي بزيع»، هو الإصدار الأخير للدكتور أحمد الجوة، الجامعي التونسي، والمؤلف امتداد للفصل الخامس من فصول عمله المطول في الشعر العربي الحديث الذي انطلق فيه منذ عام 2011، وقد خصصه لقصيدة مرثية الغبار للشاعر اللبناني شوقي بزيع، وهو بذلك يستأنف النظر في تجربة بزيع من خلال مجموعاته الثلاث الصادرة تباعاً. 
ويدور البحث في الفصل الأول على الكلام في الشعر وتأليف القصيدة، وبما قدمه شوقي بزيع من صياغات تصور معاناة الكتابة ورهانات القصيدة، وسعي الشاعر إلى تطوير الأداء للكلام الشعري، منبهاً إلى ما انعقد من حميم الصلات بين القائل والمقول فيه، وما انعقد بين التجربة الشعرية، والتجربة الصوفية والتعبدية، من وثيق العرى ومتين الصلات.
ويتحول النظر إلى فن الرسم والرقص في الفصل الثاني، حين يتأمل الشاعر عمل الرسام في مشغله، ويصور ما يكابده من معاناة الإبداع بالأشكال والألوان، قبل أن تتشكل اللوحات فناً بديعاً، وحين يتابع الشاعر بحدة البصر والبصيرة ما يعتمل في أعماق الراقصة، وهي تشكل الرقصات، وتمثل المشاعر والأحاسيس الثاوية في أعماقها، وتبلغ بالحركات الرشيقة تخوم التصاوير.
وفي الفصل الثالث يقدم المؤلف أحمد الجوة تصويراً للهشاشة الأدمية حين يصيب المرض الإنسان، ويعطل منه القوى الذهنية والجسدية، ويصير متوجساً من محتوم المصير. 
ويعنى الفصل الرابع بالإهداء ومسالك الرثاء، حيث يسلك الشاعر سبيل السابقين إلى الاحتفاء بالشعراء الذين يكتبون بالدم ويصيرون رموزاً للنضال، وهذا شأن غارسيا لوركا وناظم حكمت والسياب. وحين يدور الكلام الشعري على رثاء الأهل الأقربين، وعلى الوالد الذاهب في الغياب تحديداً، تنثال المشاعر وتتفجر الأحاسيس تحسراً وتوجعاً، وتصفو اللغة صفاء منقطع النظير. وإذا كانت هذه مدارات الكلام الشعري في الأشعار الأخيرة لشوقي بزيع متنوعة ومتسعة، فإن وفاءه لشعر التفعيلة قد أمد قصيدته بغنائية عالية، ومنحها إيقاعاً له وقع في السمع، وقد تشكلت الصورة الشعرية في سائر قصائده بمتخيل يطوع المرئي ويحوله مسموعاً، ويتيح للشعر التحليق بجناحين مفتوحين.