الفاهم محمد

كتاب «البجعة السوداء: تداعيات الأحداث غير المتوقعة»، لصاحبه اللبناني نسيم طالب، الصادر بترجمة حليم نسيب نصر، عن الدار العربية للعلوم في 2009، ظهر لأول مرة بالإنجليزية سنة 2007، ضمن منشورات «راندوم هاوس»، قبل أن تذيع شهرته ويترجم إلى أكثر من ثلاثين لغة، ويتعلق الأمر بنظرية يمكن أن تندرج ضمن مباحث الفلسفة في المعرفة والمنطق والإيبستمولوجيا، ولكن اختيارنا لهذا الكتاب ليس فقط بسبب شهرته وصيت كاتبه المحمود، فقد بقي الكتاب 17 أسبوعاً في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في «نيويورك تايمز»، أو حتى بسبب قدرته على التنبؤ بأزمة الرهون العقارية التي ضربت العالم في 2008، بل أيضاً بسبب الأهمية البالغة للأفكار التي يطرحها، والتي تحاول فهم التأثير الشديد الذي تتركه الأحداث غير المتوقعة، والتي لا يمكن التنبؤ بها على سير المجتمعات ومستقبل الإنسان. 
ويكشف نسيم طالب في هذا الكتاب كل شيء عن البجعات السوداء، وهي فقط أمثولة يقدمها من أجل فهم هذه الأحداث العشوائية التي تميز حياتنا، والتي يكون لها تأثير كبير على مجريات الأمور، بحيث يكاد يكون من المستحيل التنبؤ بها، ولكننا مع ذلك، نحاول دائماً العثور على تفسير عقلاني لها. ويفتتح نسيم طالب كتابه بهذا المثال: لقد اعتدنا دائماً الاعتقاد بأن البجع هي طيور بيضاء، قبل أن يتم اكتشاف نوع من البجع الأسود في أستراليا، وهكذا فالعادة والمألوف تصبح عبارة عن اعتقادات راسخة لدينا، نحن لم نعتد على التعامل مع الأحداث الصدفوية واللامتوقعة ولذلك نسقط في سوء تقديراتنا، ولذا فإن مثل هذه الأحداث العرضية يكون لها تأثير كبير وعميق ليس فقط على طبيعة المعرفة، بل حتى على النظام الاجتماعي. ويشير الكاتب إلى أن هذه النوعية من الأحداث، قد بدأت تظهر باستمرار تقريباً منذ الثورة الصناعية، فسواء تعلق الأمر بصعود النازية في ألمانيا، أو تفكك الاتحاد السوفييتي، أو ظهور الإنترنت، أو أحداث الحادي عشر من سبتمبر (يمكن أن نضيف من جهتنا حالياً ظهور فيروس كوفيد -19)، كلها أحداث تؤكد أننا نعيش في عالم غير مستقر، ولكن رغم الانتشار الكبير لهذا اللامتوقع والصَّدْفَوي في المجتمعات الحديثة والمعاصرة، إلا أننا -يؤكد الكاتب- نتصرف دائماً وكأن كل شيء يمكن توقعه، وأننا يمكننا دائماً التنبؤ بالوجهة التي يسير نحوها التاريخ.
وما يطالب به الكاتب إذن هو عدم الادعاء بالقدرة على التكهن بالبجعات السوداء، ويدعو إلى تجاوز الرؤية الذهنية الضيقة التي تؤمن بشكل أعمى ببديهياتها اليقينية، وإلى توسيع المنظور وامتلاك رؤية شمولية.
 يذكر أن نسيم طالب هو مفكر لبناني، من مواليد قرية صغيرة في شمال لبنان سنة 1960، وقد تابع دراساته في كل من فرنسا وأميركا، حيث تخصص في البداية في مجال الرياضيات المالية التي حصل فيها على الدكتوراه من فرنسا، قبل أن يغير اهتماماته بعد ذلك نحو الدراسات الفلسفية والإيبستمولوجية لعلوم اللايقين والصدفة، واتخاذ القرارات بكبريات الجامعات والمعاهد الأميركية مثل معهد ماساتشوستس، أو معهد البوليتكنيك بجامعة نيويورك.