حوار: عيسى يوسف
ترجمة وتقديم: إبراهيم الملا

تظل عالمة الآثار البريطانية العتيدة «بياتريس دي كاردي»، رغم رحيلها في العام 2017 إحدى العلامات المشعّة والقامات الملهمة في علم الآثار بشقيّه التطبيقي والنظري، وما زالت تمثّل«الأيقونة اللامعة» في هذا المجال البحثي الشائق والشائك أيضاً، وخصوصاً أن عمليات التنقيب والمسوحات التي أجرتها بياتريس في عمق التاريخ الإنساني وشساعة الجغرافيا الممتدة على ضفتي الخليج العربي، أهّلتهالحيازة المكانة الرفيعة في هذا المجال، واستحقاقها التكريم اللائق بها من ملكة بريطانيا ومجلس الآثار البريطاني قبل رحيلها بشهر تقريباً عن عمر يناهز 102 عام. وخلال هذه الأعوام المديدة لم تغادر بياتريس شغفها بالمغامرة وحس الاستكشاف وإعادة تدوير الدهشة في داخلها، كلما زارت المناطق الصعبة والخطرة والمجهولة، وامتلاكها بالتالي معلومات لا تقدّر بثمن عند تقييم الاستنتاجات البحثية الآثارية في جوهرها الإنساني وثقلها الحضاري، وهي معلومات ستظل حيّة ومتجددة عند إماطة اللثام عنها بإزميل التنقيب، ومعاينتها ببصيرة عارفة وخبيرة بأسرارها وبوهجها المعرفي والثقافي، خصوصاً في مناطق دولة الإمارات العربية الأثرية التي طالما شغفت بها بياتريس دي كاردي، فكانت أول امرأة تعمل في مجال التنقيب الأثري في الإمارات، وخرجت منه بنتائج علمية وتاريخية مُضيئة ومُرشدة لأجيال لاحقة، ستظل هي الأخرى مليئة بطاقة الشغف تجاه علم الآثار وحفرياته المعرفية، سعياً من هذه الأجيال لإكمال المسيرة الثقافية النبيلة لبياتريس، وملء الثغرات وعلامات الاستفهام الكثيرة التي تركتها خلفها كدلائل وإشارات مثيرة للفضول وبحاجة لمزيد كشف وتجربة وغوص في بحر علم الآثار العميق والساحر والاستثنائي.

  • خلال عملها في التنقيب بالإمارات
    خلال عملها في التنقيب بالإمارات

وهنا تسجيل نادر قمنا بترجمته، يتضمن حواراً زوّدنا به الباحث والآثاري الإماراتي عيسى يوسف -مدير إدارة الآثار والتراث المادي في هيئة الشارقة للآثار- للعالمة بياتريس دي كاردي أجراه معها في العام 2006، وهو حوار بقدر ما يقدّم تفاصيل تنشر لأول مرة حول أسباب ارتباط عمل بياتريس الأثري في الإمارات وبداياتها البحثية في خبايا المكان، بقدر ما ينطوي أيضاً على نتائج تاريخية ومعرفية مهمة وفرته لنا واحدة من أكثر الشخصيات شهرة وتجذّراً في علم الآثار، محلياً وإقليمياً وعالمياً. والتالي نصّ  الحوار: 

* عيسى يوسف: هناك سؤال مازال يشغل ذهني حول سرّ قدوم «بياتريس دي كاردي» إلى الإمارات لإجراء تنقيباتها وبحوثها الأثرية في الستينيات من القرن الماضي، في منطقة كانت خالية تقريباً، ولا توجد بها كثافة سكانية وعمرانية؟    
- بياتريس دي كاردي: ارتباطي بالعمل الآثاري هنا في الإمارات، له دوافع ومنطلقات تشكّلت أثناء عملي في الستينيات من القرن الماضي بإقليم بلوشستان الممتدّ على أراضي باكستان وإيران، وتحديداً في مدينة «بامبور» التي تقع في الجنوب الشرقي لإيران والتي توجد بها مستوطنة تعود إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، للبحث عن لقى ودلائل تشير لحضارة «وادي السند»، حيث عثرت هناك على نماذج من الفخار النادر جداً، والمزيَّن برسومات وتصاميم، ونقوش مميزة تؤكد للمرة الأولى وجود روابط حضارية وتجارية حيوية بين حواضر ومدن الخليج العربي العتيقة، وحضارة وادي السند أثناء العصر البرونزي في الألف الثاني ق.م. وقد اطّلعت قبلها على قطع أثرية تم اكتشافها في أبوظبي من قبل فريق التنقيب الدانماركي، ووجدت تشابهاً كبيراً بين أحجام القطع والرسومات الموجودة عليها وبين الأحجام والرسومات الخاصة بقطع مدينة «بامبور» في بلوشستان إيران، وأدى هذا الاكتشاف إلى تحويل مساري العملي إلى أرض الإمارات، ولمدة نصف قرن تقريباً، حيث قمت بعمل مسوحاتي وتنقيباتي الأثرية، بدءاً من أبوظبي ثم رأس الخيمة، فالشارقة، والعين، والفجيرة، ومواقع في دبا وجبل الظنة.

* عيسى يوسف: ما هي الدلائل المؤكدة لهذا الترابط التجاري بين حضارة وادي السند والحواضر القديمة فترة ما قبل الميلاد في الإمارات. 
- بياتريس: لقد أخذت كسر الفخار الرمادي والفخار المحزّز التي وجدتها في بامبور إلى الدانمارك، وقارنّا مكتشفات أبوظبي التي عثرت عليها البعثة الدانماركية بمكتشفات مدينة «بامبور» الغابرة في حضارة وادي السند، وكانت الفخاريات الرمادية والنقوش والرسوم والتزيينات الموجودة على قطع الفخار مشابهة تماماً، وعمرها الزمني متقارباً أيضاً، وهذا دليل واضح على وجود علاقات تجارية نشطة بين الطرفين.

مهمة في رأس الخيمة
* عيسى يوسف: توجهت بعد أبوظبي إلى رأس الخيمة، واستمر عملك هناك طويلاً، لماذا؟
- نصحني خبير الآثار البريطاني «جيفري بيبي» بالذهاب إلى رأس الخيمة، حيث كان هو والبروفسور «غلوب» قد زارا المنطقة ولم يجدا شيئاً، وعلى الرغم أن المهمة كانت شبه مستحيلة، إلا أنني قررت الذهاب إلى رأس الخيمة في العام 1968 لاكتشاف ما لم يعثر عليه الآخرون، كنت شابة متحمّسة حينها، ويتملكني الكثير من الفضول وحس المغامرة، وبدأت مهمتي بتفويض من المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي، حاكم رأس الخيمة في ذلك الوقت، الذي دعاني إلى تقديم برنامج بحثي لإنشاء متحف وطني، وطُلب مني اختيار المواد لعرضها في المتحف الوطني الجديد في رأس الخيمة، وكنت أعود كل عام لتصنيف وحَوْسَبة المواد الجديدة من الحفريات.
* عيسى يوسف: وماذا عن زيارتك في الفترة نفسها تقريباً لسلطنة عُمان؟
- لم أجد في رأس الخيمة أثناء بدايات عملي هناك دلائل أثرية تجيب عن تساؤلاتي ومحور بحثي، ولكن في العام 1970 وفي أثناء إجرائي بعض المسوحات في سلطنة عُمان بالقرب من منطقة «عبري»، عثرت على مقابر مرتفعة تسمى (القرن)، وهناك عثرت على كثير من الدلائل التي أشبعت فضولي، وفي الوقت نفسه، فإن أفراداً من فريق التنقيب الألماني في منطقة «شمل» برأس الخيمة، كانوا قد عثروا على مكتشفات تشير إلى حضارة «أم النار»، وهذا الاكتشاف أعادني مرة أخرى لرأس الخيمة، لأنه أكّد نظريتي في أن البحر الواصل بين طرفي الخليج والممتدّ إلى بحر العرب كان له دور مهم في التبادل الاقتصادي والتجاري بين المدن القديمة في تلك العصور الغامضة.

  • تتوسط عيسى يوسف والدكتور بيتر أوبرمان في موقع جبل فاية بالشارقة
    تتوسط عيسى يوسف والدكتور بيتر أوبرمان في موقع جبل فاية بالشارقة

* عيسى يوسف: ما هي من وجهة نظرك أهم المواقع الأثرية في دولة الإمارات التي عملت فيها منذ قدومك إلى الإمارات في العام 1968؟  
بياتريس: في بداية عملي هنا بالإمارات لم تكن لديّ حصيلة وافية من المعلومات الأثرية، وكنت أنفّذ المسوحات في نطاق ضيق، أما بعد عملي في منطقة «شمل» برأس الخيمة ومعاينتي لمقبرتها الأثرية، فقد عثرت على دلائل تشير إلى لقى ومواد ومكتشفات مهمة من العصر البرونزي، وما هو متعلّق بحضارة «وادي سوق» التي كانت سائدة في الفترة من 2000 إلى 1600 قبل الميلاد في المنطقة الواقعة بين خليج عُمان إلى مدينة العين، وتم التعرف على هذه الحضارة من خلال محتويات المقابر الحجرية في منطقة «شمل»، وغيرها من مناطق الدولة وحواضرها القديمة التي تفاعلت مع حضارة «وادي سوق»، وقبلها مع حضارة «أم النار»، ولا شك أن موقع «اعسمه» برأس الخيمة يعتبر موقعاً مثيراً للاهتمام، ومن أكثر المواقع زخماً بالمكتشفات ذات القيمة العلمية البالغة الأهمية، وينطبق الوصف نفسه على موقع «جلفار» برأس الخيمة أيضاً.
* كيف تنظرين لمستقبل علم الآثار في الإمارات وللمؤسسات والمتاحف المهتمة بهذا الحقل الثقافي والإنساني المهم؟
- أرى أن مستقبل علم الآثار والتخصصات المتعلقة به في الإمارات سيكون مرتبطاً بمدى استمرارية العمل في هذا المجال، ومتعلقاً أيضاً بمدى اهتمام المسؤولين والعاملين في حقل الآثار، وتوسيع رقعة البحث والمسوحات، وتهيئة البيئة الحاضنة للمكتشفات الأثرية في المتاحف والمعاهد العلمية، ونشر الثقافة الآثارية في المجتمع، وكذلك فإن حماية المواقع الأثرية والمحافظة عليها من قبل الحكومة، سينعكس إيجاباً على بقاء وازدهار هذا الإرث الثقافي المهم. 
* عيسى يوسف: كيف تقبّل أهالي الإمارات في الستينيات وجود امرأة أجنبية بينهم تعمل في حقل الآثار وتجوب مناطق متعددة فيها؟
- بياتريس: لم يكن يهمني في عملي التصنيف الذكوري أو الأنثوي، كنت أعتبر نفسي عالمة آثار وفقط، ولكن فعلاً واجهت أنا وفرق التنقيب الأجنبية بعض الصعوبات وقتها، وفي منطقة «شمل» واجهتنا تحديات تتمثل في مدى قبول الأهالي لوجودنا، واعتبرت أن هذا أمر طبيعي بالنسبة لهم، فهم لا يملكون فكرة عمّا نقوم به، ويترجمون ظاهرياً الريبة والشكوك تجاهنا، ولكن مع توضيح الأمر لهم من قبل المسؤولين الحكوميين، واعتيادهم على وجودنا، تغيّرت ظروفنا إلى الأفضل.