تحت سلطة ذكورية صارمة، وبينما العد التنازلي للوجود الاستعماري البريطاني في شبه القارة الهندية آخذٌ في التسارع، قُدّر للشاعرة الأوردية والناشطة النسوية كيشوار ناهيد أن تولد في الهند عام 1940، فنشأت في أسرة متوسطة، يدير والدها شركة نقل خاصة، وككل الأسر آنذاك، اتسمت بالأفكار التقليدية المحافظة التي تُعنى بتعليم الذكور، بينما تكتفي بمهارتي القراءة والكتابة للإناث.
 بعد استقلال الهند بعامين، قُسمت شبه القارة، ولاح للمسلمين حلم الدولة الإسلامية النقية، فهاجرت ناهيد مع أسرتها طفلةً في التاسعة إلى الجزء الباكستاني، كما فعلت العديد من الأسر المسلمة، لكنّ العثرات كانت بانتظارهم، وأولها صعوبة توفير المسكن والاحتياجات الأساسية، وانعدام مصدر دخل ثابت، بذلك انتقلت أسرتها من الطبقة المتوسطة إلى الفقيرة.

يبدو أن طفلتنا قد تشرّبت روح الحرية والعزة التي تصاعدت في البلاد قبيل الاستقلال، فقد وعت منذ السابعة من عمرها، ما تعرضت له المرأة من تعنيف وتغييب، فعمل ذلك على تكوينها النفسي والوجداني لتحمل المسؤوليات كاملة. ومنذ بواكير الطفولة انتزعت حقها المشروع في التعليم، رغم تجاهل المجتمع ورفضه، فباشرت دراستها من المنزل، حتى أنهت التعليم الثانوي، ثم واجهت معارضة شديدة من أخيها لفكرة الدراسة الجامعية، لكنّها تمكنت من الوصول معه إلى اتفاق على الشروط والهيئة التي ستدخل بها الجامعة، فالتحقت بجامعة البنجاب وحصلت في البدء على بكالوريوس الآداب، ثم تابعت دراساتها العليا، لتحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد.
وعندما حان وقت الزواج، استطاعت الشاعرة أن تتجاوز التقليد المتبع في المجتمعات الشرقية لاختيار الزوج وفرضه من قبل العائلة، فالتقت بزميلها في الحقل الأدبي، الشاعر الباكستاني يوسف كمران الذي ارتضته زوجاً بمحض إرادتها وأنجبت له ولدين، لكنّها صارعت طويلاً لتنشئتهما بعد وفاته، ما اضطرها في فترة عصيبة لإرسالهما خارج الباكستان، تحسّباً لما قد يعترضهما جرّاء نشاطها الاجتماعي النسوي.

حوّاء.. الفاعلة
لم يكف ناهيد الشعر، رغم حصولها على جائزة «آدمجي» المرموقة عام 1968 عن مجموعتها الشعرية الأولى، وتأليفها لما يربو على العشرة دواوين شعرية، فقد ارتأت أن تحمل مسؤوليتها كاملة تجاه الوطن، والأدب، والمرأة، فهي إحدى أهم الناشطات النّسويات الباكستانيات المعاصرات التي تتخذ من الكتابة وسيلة لإعادة تعريف العلاقة بين المرأة والرجل، وقد وصفت نفسها «بالواقعية» التي لم تسمح لنفسها بأن تقع تحت تأثير الرجال أو الظروف المحيطة، كما عملت على تمكين المرأة اقتصادياً بإنشائها جمعية حوّاء التي تدعم مشاريع ربات البيوت، وإحياء الحرف التقليدية النسائية المندثرة في القرى النائية، فقد درّبت خلال العشرين عاماً الماضية ما يقارب الألفي سيدة. في حين شجّعت الأقلام الواعدة من الشباب أثناء رئاستها لتحرير مجلة «ماه ناو»، كان ذلك أثناء ترؤسها المجلس الأعلى للفنون والآداب في الباكستان في فترات مختلفة، وقد كُرمت بنيلها وسام الامتياز وهو الأرفع في الباكستان، عن خدمتها ذلك المجال في بلدها، ثم اختارت التقاعد المبكر في عهد رئيس الوزراء «نواز شريف» عام 1998.

ثمن الحرية
لم يغب عن الشاعرة الرباط الوثيق بين المرأة والطفولة، فقد كتبت وترجمت للطفل وأحبته بقدر إخلاصها لقضايا النساء، فأنجزت ما يربو على الثمانية مؤلفات للأطفال، ولعل تربيتها لطفليها وحيدة، أهلتها بشكل خاص لفهم قضايا الطفولة واختبارها ذاتياً، بعيداً عن الفرضيات والمقاربات. وقد حصلت على جائزة اليونيسكو في أدب الطفل عام 1974.
ابتعدت ناهيد في كتاباتها عن تفاصيل حكايتها الخاصة، وركزت على قضايا المرأة والطفل في وعاء أدبيّ رفيع، فاتجهت إلى العام على حساب الخاص، ولثَّمت بالشعر جروحها، فاستعاضت بتطبيب الجرح الكوني متمثلاً في تمكين الكسيرات وإسعاد الطفولة.
وهنا قصيدة ملأى بالعتب، تحمل إشارات ملخصة لحياة شاعرة متدفقة بالعطاء، اجتهدت في هجر الذاتية لكنها انفلتت منها بين السطور. 
ما زال الشك يستنزفني حتى اليوم /‏ جروح مبطنة بالرغبة أخفيتها في القلب، والتجاعيد/‏ جعلتَ الأمور كلها تنتهي بالدمع/‏ متخلّياً عن القيم/‏ كشوكة استلّت من قلبي /‏ نزّت عيناي الدموع /‏ وبينما الأنوار لا تزال مضاءة/‏ يُهجر المكان/‏ رأسٌ ثلجيّ على كتفيّ/‏ وقد كنّا لساناً من لهب/‏ الوحدة توأمي/‏ أَيمكن لهذه الرفقة أن تكون في السابق؟
العتاب على مستويين: الهجرة، والهجر، فلعلّ الشاعرة تستحضر طفولتها وتعاتب والدها الذي اقتلعها من قريتها ومربع طفولتها في «بولاند شهر» في الهند عندما هاجر إلى لاهور، فخروجهم من الهند كان مؤلماً بقدر شوكة تنتزع من قلب، وإن كان في ذلك شفاء لاحق. بهذا الحدث دخلت منعطفات التأقلم والانغراس من جديد التي يبدو أنها لم تداو اغترابها عن المكان فظلت حبيسة الشعور بالوحدة.
 وعندما تحضر الشاعرة المرأة في النص، يتجلى الشك مرادفاً لـ اللاطمأنينة، يقتات على امرأة مكابرة بجروحٍ مخبوءة، جراء رغبات عطشى غير محققة. إنّها تلوم أحدهم على النهايات الحزينة الناضحة بالدمع، ويبدو أنّ عهداً قد نُكث وانهارت معه منظومة قيمية مقدسة، أودت إلى فراق يوازي حيّز شوكة استقرت في القلب رغم ألمها، إلا أنّ انتزاعها أشد إيلاماً، ومدعاة للأحزان، وكأنّ أمراً ما، على ألمه، ترجو الشاعرة استمراره، وقد آذاها زواله، وبينما الحياة ماضية في ظاهرها المتمثل بالضوء، لكنّها كمكان مهجورٍ بلا روح أو دفء، فقد كانا الشاعرة والمُلام ناراً حية تتلظى، أما الآن ففي برد وجمود يتجاوز المادي، ويعبّر عن الفكرة والحياة في داخلها التي أصبحت وحدةً مُستنكَرة تلازمها.