هزاع أبوالريش (أبوظبي)

تشهد الإنسانية، في الظروف الراهنة التي يمر بها العالم، متغيّرات كثيرة على جميع الأصعدة، ومنها متغيرات ثقافية بطبيعة الحال، إذ انتعش النشاط الثقافي الافتراضي لدى أغلب الجهات والمؤسسات الثقافية وكذلك الأفراد المعنيين بالثقافة، مما يطرح سؤالاً حول إمكانية استمرار الفكرة، وأن يصبح الأمر اعتيادياً لدى الجمهور، الذي يعتبر ركناً أساسياً من أركان العمل الثقافي.. فهل يشهد المستقبل بقاء الأنشطة الثقافية في شكلها الافتراضي أم أن الأمور ستعود إلى سابق عهدها بعد انزياح جائحة كورونا «كوفيد- 19»؟ وهل يمكن للجمهور الافتراضي أن يحل محل الجمهور الواقعي، ويقوم بدوره النقدي والتفاعلي القائم على التواصل المباشر والحقيقي؟ 

يقول الدكتور حبيب غلوم، فنان ومستشار ثقافي: لا يمكن للنشاط الثقافي الافتراضي أن يلغي دور الجمهور الواقعي، على الرغم من أنه قد يصلح في بعض المهن التي تعتمد في الأساس على وجود المتخصص في مكانه. ولكن بعض المهن لا تقوم إلا على جمهور حقيقي يحمل الروح التي تشبع الفكرة وتجعلها تحلّق بعيداً في فضاء الإنسانية، وفي سماء الحياة. 
وأوضح غلوم: أي عمل فني ثقافي بدون جمهور حقيقي يعتبر بلا روح، فعندما تعمل مسرحية، على سبيل المثال، وتنقلها على شاشات عرض كبيرة لجمهور افتراضي غير موجود أمامك في المسرح تخرج المسألة عن العفوية المعتادة، وكذلك الممثل الذي يقف على المسرح لا يشعر بروح الانسجام والتواصل المباشر مع فكر المتلقي ومشاعره، فتصبح المسألة مصطنعة خارجة عن سياق الروح والتواصل الحسي بين الطرفين.
وتابع: يختلف الأمر في التفاعل الحقيقي الصادق الذي يخرج من القلب إلى القلب. لا شيء يعوض وجود الروح؛ الفن بحاجة إلى التواصل المباشر لأنه يحمل العديد من الرسائل المجتمعية والفكرية التي تتطلب التواصل المباشر دون أي قيود أو حواجز أو شاشات تصد الفكرة وتردّها.

حل مؤقت
وقالت الكاتبة عائشة سلطان: طبعاً لا يمكن للحل المؤقت الذي اقتضته أو فرضته الظروف فرضاً، أن يتحول إلى خيار دائم أو يلغي ذاك الذي كان سائداً، إلا إذا قرر الإنسان ذلك نتيجة اكتشافه، بالتجربة، أن ما وجده في الحل المؤقت كان أفضل وأنفع وأقل تكلفة وجهداً. 
وزادت: لو توصل البعض لهذا الرأي في المجال التقني أو الاقتصادي أو المالي كالمصارف والمكاتب التي لا تستلزم اتصالاً مباشراً مع الجمهور، أو أن العمل نفسه يتصف بالفردانية والبعد الأحادي ويوفر للشركات والمؤسسات المالية أموالاً وأوقاتاً وغير ذلك، فإننا في النشاط الثقافي لا يمكننا إلغاء البعد الإنساني، والتأثير المتمدد الذي يشمل أكبر قطاع ممكن من الناس.. إضافة لميزة التفاعل التي تستلزم تفاعلاً بين الجمهور ومقدم الرسالة أو النشاط، فالمسرح والورشة الإبداعية وحفلات الموسيقى والمحاضرات وجلسات النقاش النقدية للكتب والأفلام والمسرحيات تحتاج لذلك التواجد الشامل للمتلقين ومقدمي هذه الفعاليات، لإحداث أكبر قدر من التأثير والتأثر وتبادل الرأي، عبر اللقاءات المباشرة.
وأوضحت أن اقتصار النشاط الثقافي خاصة والإنساني بشكل عام على الشكل الافتراضي و«عن بُعد» سيجمد الفعل الإنساني، وسيحوله إلى حالة جامدة متكررة تفتقد العمق الإنساني، وبالتالي لن تخدم النشاط نفسه ولا الجمهور المتلقي. وهو ما سيدخل الناس، مع مرور الوقت، في دوائر من العزلة والملل وفقدان الشغف والاهتمام نتيجة تشابه أو جمود الشكل الذي يقدم به النشاط، وفي المقابل سنفتقد ممارسات ثقافية عظيمة وذات تاريخ عميق لها دورها ومكانتها الكبيرة؛ كالمسرح وحفلات الموسيقى ومعارض الكتب... إلخ، وسيبدو وكأن الإنسان عاد إلى الوراء كثيراً بتخليه عن منجزات عظيمة في مسيرته الحضارية. 
واختتمت: مع ذلك يمكننا اللجوء أو الاستعانة بالحل الافتراضي في حالات الضرورة أو في الحالات التي يستعصي فيها تنفيذ النشاط بسبب ظرف مناخي أو لظروف عدم التمكن من استدعاء المحاضر مثلاً، ما يجعل الخيار الافتراضي حلاً تقتضيه الظروف وليس حلاً دائماً.

الجمهور قلب المبدع
ولفتت الفنانة التشكيلية شيخة بن كراز المهيري، إلى أنه لا يمكن للنشاط الثقافي الافتراضي أن يلغي دور الجمهور الواقعي، لأن جمالية الإبداع هي بحضور الجمهور والتواصل المباشر، ومهما اختلفت الظروف سيبقى أصل الإبداع بحضور الجمهور والتواصل المباشر الحقيقي الذي يفرض نفسه. 
وقالت: من جماليات الحياة أن يكون الإنسان قادراً على التأقلم مع الظروف المحيطة به ليواصل إنتاجاته وإبداعاته، فاليوم يحضر الشكل الافتراضي بوجود هذه الأزمة ولكن متى تنتهي وتتلاشى سيحضر الإبداع وسيبقى الجمهور هو قلب المبدع النابض، وضميره الذي يوجهه في صياغة إنتاجيته.

الاثنان معاًً
يرى الإعلامي والكاتب وليد محمد المرزوقي، أن النشاط الثقافي اليوم بحاجة إلى الاثنين معاً، بعيداً عن الظروف الراهنة والأزمة التي تمر بها المجتمعات، لأن النشاط الثقافي الافتراضي يجعلك تتواصل مع الآخرين البعيدين عنك، والموجودين خارج البلد، وأن تكون قريباً من أفكارهم وانشغالاتهم، والنشاط الثقافي الواقعي يجعلك تتواصل مع القريبين إليك بسهولة لإيصال رسائلك الفكرية. أما أن يلغي أحدهما الآخر، فلا أعتقد ولا أتصور ذلك، لأن الاثنين «الافتراضي والواقعي» بحاجة لإرساء مفهوم الثقافة معاً، كي تتخطى الفكرة الإنسانية مراحل الحياة بنجاحات وإبداعات مستلهمة من الواقع، ومواكبة لما يدور حولها من التحديات الراهنة.