إبراهيم الملا (الشارقة)

حصد الفنان المسرحي الإماراتي محمد العامري في شهر مارس الماضي، معظم جوائز الدورة الثلاثين من مهرجان أيام الشارقة المسرحية، حيث أثبت العمل الذي أخرجه العامري بعنوان: «سيمفونية الموت والحياة» استمرار العنفوان الفني الذي لازم أغلب مسرحياته خلال مشاركاته المحلية والخارجية طيلة السنوات الماضية، إن الألق الإبداعي الذي عكسته تجربة العامري في مجال الإخراج المسرحي، أهله للاستحواذ على لقب: «قنّاص الجوائز» وهو لقب لم يأت من فراغ، بل كان ثمرة لجهد واضح وملموس تم بذله في مناخ تعبيري مفتوح على التجريب والاستكشاف واختبار الطاقة التخيلية على المستويين الفردي والجماعي، مع انتقاء النصوص القادرة على خلق الغواية السردية والبصرية الجاذبة لهوى العامري ولرؤيته القائمة على خوض المغامرة المسرحية من أكثر منافذها صعوبة، وأكثرها إثارة للتحدّي من أجل تجاوز الخط المسرحي السائد والتقليدي والمكرر.

  • محمد العامري
    محمد العامري

في حديثه لـ«الاتحاد»، يشير المخرج محمد العامري بداية إلى أن الثيمة الأساسية التي تضمنها عمله المسرحي الأخير: «سيمفونية الموت والحياة» تقوم على صراع المفاهيم بين الجوانب المضيئة والأخرى المعتمة في سياق التجاذبات العنيفة بين الأفكار والرؤى والممارسات الإنسانية، مضيفاً أن نص العمل أعدّه المبدع إسماعيل عبدالله، استناداً إلى رواية: «الجنرال» للكاتب (آلان سيليتو)، والتي تتحدث عن فرقة موسيقية تذهب للترفيه عن الجنود في الجبهة، ولكن تحدث المفاجأة عندما يقع الموسيقيون أسرى في أيدى الأعداء، حيث قام الكاتب إسماعيل عبدالله –كما أوضح العامري– بتغيير أساس ونقطة الصراع وحولها باتجاه الجدل المعرفي والأيديولوجي بين الفرقة الموسيقية وبين مجموعة من المتطرفين والظلاميين الذين يأسرون أعضاء الفرقة، فتتحول المواجهة الرئيسية هنا بين صنّاع الحياة وصنّاع الموت، وأضاف العامري: لا شك أن الموجة السوداء المتمثلة في جائحة كورونا، تمثّل هي الأخرى مجابهة مادية ومعنوية صعبة ومن نوع آخر، في مقابل الحياة الطبيعية التي اعتدناها، وفي مقابل الطقوس التي اعتادها الفنانون والمبدعون محلياً وعالمياً، ومن هنا -كما أشار العامري- فإن العاملين في الحقل الثقافي عموماً عليهم أن يبثوا رسائلهم الإيجابية في المجتمع رغم كل الظروف التي تعيق عملهم الطبيعي في هذا السياق، وقال إن المبدعين المسرحيين هم الأكثر تضرراً من الجائحة لأن عملهم يقوم على المشاركة الجماعية وضرورة التقارب الجسدي أثناء البروفات، وأثناء التواصل مع جمهور في عرض حيّ وتفاعليّ.
وطالب العامري المسرحيين الإماراتيين بمواصلة أحلامهم ومشاريعهم، وأن يقيموا بروفاتهم على منصّة الخيال، حتى لا يظلوا أسرى لهذا الانغلاق القسري الذي حرمهم من عرض أعمالهم على الجمهور.
وعن مشاريعه الخاصة، وتصوراته الفنية المحتمل ترجمتها إلى أعمال مسرحية قادمة، أشار العامري إلى مجموعة أفكار تعتمل حالياً في ذهنه وتتناول التأثيرات الظاهرة والمستترة لجائحة كورونا على وعي وسلوكيات الناس في المجتمع، وعلى محاولاتهم للتكيف مع الآليات المستجدة والتي فرضها هذا الوباء الغامض. وأكّد العامري أن الجائحة رغم سلبياتها، منحته فرصة لترتيب أوراقه، وفرز مشاريعه، وتأمل أعماله السابقة، والتفكير في أعمال جديدة تتجاوز ما تم تقديمه سابقاً، والاستفادة كذلك من الأخطاء والزلات والتنازلات التي أثّرت على جودة العروض ومستواها الفني والجمالي، مضيفاً أن حالة الهدوء والعزلة التي فرضتها الجائحة أتت كفرصة ذهبية للاطلاع على كنوز مسرحية لم تسمح انشغالاته السابقة بالاطلاع عليها، سواء كانت نصوصاً مسرحية أو عروضاً متاحة للمشاهدة في الفضاء الإلكتروني، لافتاً إلى أن هذه الأزمة وفّرت له فرصة أيضاً لاستلهام التحولات الإنسانية والثقافية الجديدة من أجل توظيفها لاحقاً في أعماله المسرحية.