‎‬رحلة ‬علمية ‬تاريخية ‬هي ‬الأولى ‬من ‬نوعها ‬في ‬العالم ‬العربي، ‬رحلة ‬تعكس ‬حصاد ‬العمل ‬الإماراتي ‬الذي ‬لا ‬يعرف ‬المستحيل، وتعيد للعرب مجداً علمياً، لطالما كانوا متفوقين فيه، وتستأنف ما اجترحته العقول العربية قديماً.. رحلة يتحقق فيها الحلم العربي بعقول إماراتية صممت على اكتشاف المريخ ودراسته، والإحاطة بما يمكن أن يمنحنا، نحن سكان الأرض، من معلومات ستسهم حتماً في علاج بعض المشكلات التي يعاني منها كوكبنا. بهذه الروح، يمضي ‎«‬مسبار ‬الأمل»‬، ‬في ‬رحلته ‬التي ‬تحمل ‬عنوان «‬العرب إلى ‬المريخ»‬، ‬ليثبت ‬أن ‬الشعوب ‬العربية ‬حية ‬فاعلة، ‬وأن ‬الأحفاد ‬يكملون ‬طريق ‬الأجداد ‬الذين ‬اهتموا ‬بالكشف ‬عن ‬الطبيعة ‬الفيزيائية ‬للظروف ‬الكونية ‬لكوكب ‬الأرض. ‬‬

‬كان علم ‬الفلك ‬قائماً ‬على ‬تفوق ‬العرب ‬في ‬تطوير ‬أجهزة ‬الرصد ‬ذات ‬الإمكانات ‬غير ‬المسبوقة‬، ‬تلك ‬التي ‬توافرت ‬لهم ‬من ‬خلال ‬النجاحات ‬التي ‬أحرزوها ‬في ‬علوم ‬الرياضيات ‬ووسائل ‬تحليل ‬وشرح ‬العمليات ‬الفلكية‬. وها هو «‬مسبار ‬الأمل» ‬الإماراتي ‬اليوم يسجل ‬نقطة ‬جديدة ‬مضيئة ‬من ‬إسهامات ‬الأمة ‬العربية ‬بالأيادي ‬الإماراتية، إسهامات ‬عبر ‬تاريخ ‬طويل ‬بدأ ‬بآلة «‬الهوروسكوب» ‬هذه ‬الفريدة ‬الجميلة ‬والمدمجة‬، ‬والتي ‬كانت ‬تسمى ‬مجازاً ‬الكمبيوتر ‬الفلكي ‬الذي ‬يرصد ‬الإشارات ‬السماوية ‬والأرضية.
وبالتزامن‎ ‬مع ‬الذكرى ‬الخمسين ‬لتأسيس ‬الإمارات‬، ‬تقدم ‬الإمارات ‬بجرأة ‬وثبات، ‬وبحصاد ‬عمل متميز ‬وعزيمة ‬لا ‬تعرف ‬اليأس ‬أو ‬المستحيل‬، ‬على ‬تغيير صورة ‬العالم ‬العربي ليولد حدث ‬تاريخي عظيم ‬بكل ‬المعايير‬.
‬بداية، يعن ‬لنا ‬أن ‬نتساءل‬: ما ‬الهدف ‬من ‬مسبار ‬الأمل؟
من دون‎ ‬الإغراق ‬في ‬التفاصيل ‬العلمية ‬يمكن ‬القطع ‬بأننا ‬أمام ‬فتح ‬علمي ‬جديد ‬يسعى ‬لتحسين ‬جودة ‬الحياة ‬على ‬الأرض ‬من ‬خلال ‬تحقيق ‬اكتشافات ‬جديدة، ‬إضافة ‬إلى ‬تشجيع ‬التعاون ‬الدولي ‬فيما ‬يتعلق ‬باستكشاف ‬كوكب ‬المريخ، ‬وهذا ‬كله ‬في ‬إطار ‬رؤية ‬استراتيجية ‬إماراتية ‬تعزز ‬من ‬ريادة الدولة ‬عالمياً ‬في ‬مجال ‬أبحاث ‬الفضاء.

ولماذا‎ ‬التركيز ‬على ‬المريخ؟
يخبرنا ‬العلماء ‬بأن ‬مصير ‬الإنسانية ‬بات ‬مرتبطاً ‬ارتباطاً ‬جذرياً ‬بالفضاء، ‬فقد ‬باتت ‬أيادينا ‬متعلقة ‬به ‬من ‬خلال ‬الأشياء ‬التي ‬نستخدمها ‬في ‬حاضر أيامنا، ‬بدءاً ‬من ‬الهاتف ‬الذكي، ‬وأجهزة ‬الملاحة ‬في ‬السيارات ‬والطائرات ‬والسفن، ‬وصولاً ‬الى ‬شاشات ‬البلازما ‬والأجهزة ‬الذكية ‬الأخرى.
والمريخ ‬لكل ‬من ‬يسأل‬، ‬هو ‬أهم ‬كوكب ‬بالنسبة ‬للبشر، ‬ولاسيما ‬من ‬جهة ‬الدراسات ‬الجيولوجية ‬التي ‬تجري ‬على ‬سطحه ‬في ‬الوقت ‬الحاضر‬، ‬وكذا ‬في ‬قادم ‬الأيام‬، ‬تلك ‬التي ‬يمكن أن ‬توفر ‬للعلماء ‬على ‬سطح ‬الكرة ‬الأرضية، ‬معلومات ‬هائلة ‬حول ‬كيفية ‬التغلب ‬على ‬المشاكل ‬التي ‬قد ‬تواجه ‬كوكب ‬الأرض ‬مثل ‬التصحر‬، ‬والاحترار ‬العالمي، ‬وغيرهما ‬من ‬المشاكل ‬البيئية‬، ‬كما ‬أن ‬استكشاف ‬المريخ ‬سيوفر ‬تقنية ‬عالية ‬الجودة ‬تسهم ‬في ‬تحسين ‬نوع ‬ومستوى ‬الحياة ‬على ‬سطح ‬كوكب ‬الأرض‬.
ويحتاج‎ ‬الحديث ‬عن «مسبار ‬الأمل» إلى ‬تحليل ‬وتفسير ‬الاسم ‬أولاً، ‬وكيف ‬تم ‬اختياره، ‬وعبر ‬أي ‬مساقات ‬ومسارات ‬يمضي‬، ‬في ‬تلك ‬الرحلة ‬التي ‬تمزج ‬ما ‬بين ‬انتصار ‬البشر، ‬وتطويع ‬الحجر، عبر ‬الزمان ‬والمكان‬؟
لقد ‬تم ‬اختيار ‬الاسم ‬من ‬بين ‬آلاف ‬المقترحات ‬التي ‬قدمت، ‬والاختيار ‬جاء ‬موفقاً ‬الى أقصى ‬حد، و‬لاسيما ‬في ‬هذه ‬الآونة ‬التي ‬غاب ‬فيها ‬الأمل ‬وسط تحديات ‬الحياة ‬المعاصرة ‬وتعقيداتها، ‬وصعوبة ‬الحياة ‬وإشكالياتها، ‬ومن ‬هنا ‬فالأمل ‬يعطي ‬رحابة ‬لليوم ‬واتساعاً ‬في ‬منظور ‬الغد ‬بصورة ‬إيجابية ‬خلاقة.

ويؤكد صاحب ‬السمو ‬الشيخ ‬محمد ‬بن ‬راشد ‬آل ‬مكتوم، ‬نائب ‬رئيس ‬الدولة ‬رئيس ‬مجلس ‬الوزراء ‬حاكم ‬دبي، ‬أن ‬«مسبار ‬الأمل ‬ترجمة ‬لثقافة ‬اللامستحيل ‬التي ‬كرستها ‬دولة ‬الإمارات ‬منذ ‬قيامها ‬وتمارسها ‬فكراً ‬وعملاً ‬ومسيرة».
‬ويضعنا ‬المسبار ‬أمام ‬حقيقة ‬مؤكدة ‬هي ‬أن ‬قيادة ‬الإمارات ‬العربية ‬المتحدة ‬تعي ‬حكمة ‬التفكير ‬من ‬منظور ‬شامل‬، ‬وعليه ‬فإنها ‬تطلق ‬طاقات ‬التفكير ‬المركز، ‬وتكتشف ‬روعة ‬الإبداع ‬المتحول ‬إلى ‬واقع، ‬وتحلق ‬عبر ‬طاقات ‬استراتيجية ‬خلاقة ‬تناقش ‬احتمالات ‬المستقبل وتتحكم فيها، ‬وتطارد ‬مبتكرات ‬الغد ‬وتطوعها، ‬والهدف ‬عندها ‬في ‬الحال ‬والاستقبال ‬مواطنو ‬الدولة ‬وحتى المقيمون فيها ‬الذين أبدوا ‬ولاء ‬غير ‬مسبوق ‬للإمارات ‬التي تحقق لهم أفضل ‬مستوى ‬حياة.

أهداف
يتجلى ‬اللامستحيل ‬الإماراتي ‬من ‬خلال ‬مسبار ‬الأمل ‬في ‬ثلاثة ‬أهداف ‬تسعى ‬الرحلة ‬إلى ‬تحقيقها‬:
‎أولاً: تقديم ‬أول ‬صورة ‬كاملة ‬للغلاف ‬الجوي ‬للمريخ‬، ‬وبمجرد ‬التحقق ‬من ‬هذه ‬البيانات، ‬ستصبح ‬متاحة ‬لمجتمع ‬أبحاث ‬الفضاء ‬العالمي، ‬ومن ‬هنا ‬يتبين ‬لنا ‬الرؤية الإنسانية ‬للإمارات ‬التي ‬تشارك ‬العالم ‬كله بجهودها ‬العلمية‬، ‬الأمر ‬الذي ‬يكتسي ‬بفضيلة ‬الأخوة ‬الإنسانية، ‬حتى ‬في ‬إطار ‬البحث ‬العلمي، ‬ما ‬يعني ‬أن ‬الإماراتيين ‬يقرنون ‬الأقوال ‬بالأفعال.
ثانياً: ‬يسعى ‬فريق ‬العلماء ‬الإماراتيين ‬الشباب ‬إلى ‬فهم ‬الديناميكيات ‬المناخية ‬للمريخ، ‬وخريطة ‬الطقس ‬العالمية ‬لكوكب ‬الأرض، ‬وشرح ‬كيفية تأثير ‬الطقس ‬في ‬كوكب ‬المريخ ‬على ‬فقدان ‬الهيدروجين ‬والأوكسجين ‬من ‬غلافه ‬الجوي، ‬وفهم ‬بنية ‬وتنوع ‬الهيدروجين ‬والأوكسجين ‬في ‬الغلاف ‬الجوي ‬العلوي‬، ‬وتحديد ‬سبب ‬فقدان ‬المريخ ‬لتلك ‬الغازات ‬في ‬الفضاء.
‬ثالثاً: س‬تقدم ‬الإمارات ‬لمجتمع ‬العلوم ‬عالمياً ‬رؤى ‬جديدة ‬ومفيدة ‬حول ‬كوكب ‬المريخ، ‬وما ‬هي ‬الأسباب ‬التي ‬تمنع ‬من ‬إقامة ‬مجتمعات ‬بشرية ‬أو ‬تسمح ‬بها ‬على ‬كوكب ‬المريخ، ‬والفارق ‬بين ‬الغلاف ‬الجوي ‬للأرض‬، ‬ونظيره ‬في ‬المريخ، ‬وغير هذا ‬العديد ‬من ‬الأسئلة ‬العلمية الأخرى المشابهة.

دلالات
انطلاق‎ ‬مسبار ‬الأمل ‬يعني ‬أن ‬العرب ‬يقرؤون، ‬وإذا قرأوا ‬يفهمون ‬ويعملون، ‬بل ‬يبدعون، ‬ويتجاوزون ‬الأرض ‬إلى ‬الفضاء، ‬ما ‬يعطي ‬دفعة ‬أمل ‬بالفعل ‬في ‬التجرؤ ‬والإقدام ‬على ‬كل ‬ما ‬هو ‬جديد ‬ومفيد، ‬ومن ‬غير ‬تهوين ‬أو ‬تهويل‬، ‬وهذا ‬ما ‬قصده صاحب السمو ‬الشيخ ‬محمد ‬بن ‬راشد ‬بقوله: ‬«مسبار ‬الأمل ‬رسالة ‬أمل ‬بأننا ‬لسنا ‬أقل ‬من ‬شعوب ‬الدول ‬المتقدمة ‬اجتهاداً ‬وابتكاراً ‬وإبداعاً»‬.
ومن أجمل‎ ‬ما ‬في ‬الرؤية ‬الإماراتية ‬أنها ‬رؤية ‬عروبية ‬جامعة‬، ‬لا ‬تميل ‬الى ‬الشخصانية، ‬ولا ‬تهوى ‬العمل ‬الفردي ‬الأحادي‬، ‬ولهذا ‬فإن ‬العقول ‬الإماراتية ‬ترى ‬ ‬مسبار ‬الأمل ‬إنجازاً ‬لكل ‬عربي، ‬وفخراً ‬لكل ‬إماراتي ‬ووسام ‬إنجاز دائماً ‬لمهندسي ‬الإمارات.
وطوال‎ ‬العقد ‬الثاني ‬من ‬القرن ‬العشرين ‬كانت ‬الجراحات ‬في ‬الجسد ‬العربي ‬ثخينه، ‬والأخبار ‬السارة ‬شحيحة ‬بل ‬نادرة، ‬ولهذا ‬لاحظنا ‬أن ‬الشباب ‬العربي ‬بات ‬يميل ‬إلى ‬الهجرة‬، و‬لكن ‬الهجرة ‬هذه ‬المرة ‬لم ‬تكن ‬إلى ‬أوروبا ‬أو ‬أميركا، ‬وإنما إلى ‬الإمارات‬، ‬حيث ‬الحلم ‬يتجسد ‬إلى ‬حقيقة دوماً، علمياً، ‬اقتصادياً ‬وإنسانياً‬.
وانطلاق‎ ‬مسبار ‬الأمل ‬سيشكل ‬نقطة ‬فاصلة ‬جديدة ‬في ‬طريق ‬الإلهام ‬للشباب ‬العربي‬، ‬وللأجيال ‬القادمة، ‬ما ‬سيعزز ‬لديهم ‬الشغف ‬بعلوم ‬الفضاء ‬على ‬نحو ‬خاص‬، ‬وسيلفت ‬الانتباه ‬إلى ‬أهمية ‬تطوير ‬برامج ‬الفضاء ‬في ‬المعاهد ‬والجامعات ‬العربية‬.
والحلم ‬الإماراتي ‬في ‬الطريق ‬الى ‬المريخ ‬يأخذ ‬العرب ‬من ‬صراع ‬الأيديولوجيات ‬إلى ‬رحابة ‬الإبستمولوجيات ‬المعرفية ‬العلمية... ولذلك فإن ‬التهنئة ‬للإمارات ‬بهذا الإنجاز العلمي العظيم إنها‎ ‬تتبعها أيضاً التهنئة ‬للعالم ‬العربي كذلك، ‬وللإنسانية جمعاء.‭